More servicesWindows Live
HomeHotmailSpacesOneCare
 
MSN
Sign in
 
 
Spaces home  Sir Zidan MirrorProfileFriendsBlogMore Tools Explore the Spaces community

Blog

June 30

حيوانات أيامنا 31

    
     ما أكثرهم! ما أكثر حيوانات أيامنا! كل يوم أقايل حيوانات جديدة، أتعرف على أدمغة جديدة، أشكل أفكار جديدة، أسطر حروف جديدة، و أخلط ألوان جديدة. هذا المخ الحيواني الذى أحويه امتلئ عن آخره، فقرر التخلص من كل شئ بطريقة أكثر حيوانية و أماناً. فجاء إلى هنا و ملأ المدونة أصباغاً و أحباراً، كلاماً من الماضي، و أسئلة عن المستقبل.
عفواً، لأول مرة سأتنازل عن الفصحى بعض الشئ، لأن التعبيرات الحيوانية لا تخلو من العامية كما تعلمون.
من يريد طرح أسئلة على مخي الحيواني، فليتفضل بمراسلته عبر بريده الإلكتروني:
hayawanat_ayamna@hotmail.com
و سأحتفظ بخصوصية الراسل، من أي جنس حيواني كان. و سوف أرد على الأسئلة تباعاً فى الأجزاء المتتالية من "حيوانات أيامنا."

 1 – يسألني أحدهم، إنت برجوازي عفن؟؟
- متشكرين يا عم البروليتاري النظيف.

2 – تسألني إحداهن، هل يشرب الرأسماليون المتطرفون من أمثالك الفودكا الروسي؟!
- كما تستمتعِ أنت و هم على السواء بنتاج الحياة الغربية تماماً، فالفضل يعود للرأسمالية أولاً و أخيراً في كون الفودكا الروسية تباع في دول العالم الثالث و الولايات المتحدة على السواء. فلعلها تعتبر و يعتبر وُلاتها، و السائرون على نهجها، نياماً... و على كل حال، لو هتعزميني، هشرب أبوها!

3 - يسألني أحدهم، لو واحد وهابي من إياهم بحث في جوجل عن مادة "أذكار الصباح،" و وجد ما كتبته أنت، سيقيموا عليك الحد في شبه الجزيرة العربية؟؟
- ختّك عليه انت و شبه الجزيرة العربية!

4 – يسألني أحدهم، أنصحك بقراءة التاريخ فهو واجب ديني، بالإضافة لكونه واجب وطني لكل من يتشبث بكل ما هو وطني على حساب كل ما هو ديني؟
-
طب مافيش واجب تربية قومية؟!

5 – تسألني إحداهن، زيدان الملك المحنك، و زيدان الساخر العابث، و زيدان الإنسان الرومانسي، أيهم تفضل؟!
- أفضل زيدان نفسه، بكل ما يقبله زيدان على نفسه و ما لا يقبله، بكل ما أوتي و ما لم يؤتى.

6 – تسألني إحداهن، أين الحقيقة؟!
- الحقيقة سائل يتشكل حسب وعاء المعتقد.

7 – يسألني أحدهم، بماذا يرد الإخوانات على تحرشات الحكومة الذكورية الوحشية؟!
- "اترك لباسي يا قاسي!"

* أجزاء سابقة:
-
الجزء الثلاثون
- الجزء التاسع و العشرون
- الجزء الثامن و العشرون

                                                                                      !!سيب لباسي يا قاسي

* هذه صورة لإعلان عن عقار فياجرا، من هذه المدونة... و لكن "رجال" الحكومة لا يحتاجوا فياجرا و لا مانع ذكري، فهم لا يهربوا أبداً أمام فرائس "حريم" الإخوانات على الفراش، و لكن الكاميرا تتطلب تلميع من حين لآخر؛ حتى لا يسأم المشاهد العادي... فالظاهر المختفي أن الحكومة تعذب الشعب قهرياً، و تمتع الإخوان جنسياً!
                                                                                                                                                                أحمد زيدان 

June 28

ومضات نورانية


كميليا جبران و فرنر هاسلر *

    

    
تجتاح كميليا جبران تعاريج وعرة من مسطح الكينونة الإنسانية الشاسع إلى ذرى السماوات العلا، بحالمية و قوة، انسيابية و كآبة، و نعومة و ثقل، معاً. إنه قمة تنافر المشاعر الإنسانية المترامية الأطراف، فهي تنثر أشعة غاية في الرمزية و العمق، و تنفخ صوراً ملئ بالمشاهد و الصور الحية؛ إيذاناً للمستمع بأن يحصد سكب نثرها، على موسيقى السويسري فرنر هاسلر الإيقاعية شديدة الحساسية، فهي إسقاطات إيقاعية إبداعية تناسب زوايا حنجرة كميليا التي أقل ما توصف به؛ أنها حنجرة من ياقوت أخاديد الجنة الزرقاء.

    كميليا هي من مواليد 1963، عكا، إسرائيل، من أبوين فلسطينيين، ظلت لمدة 20 سنة في القدس هي قائدة فريق صابرين، تغني، و تلعب العود، القانون، و بعض الآلات الشرقية الأخرى، و الذي أنتجت معه أربعة أعمال، حتى استقلّت عام 2002، فانطلقت بمشروع "محطات" بعروض فنية في بيرن بسويسرا سرعان ما انتقلت على آثرهم إلى عدة مدن آوربية أخرى. حتى أنتجت بمشاركة هاسلر "وميض**" عام 2005، و الذي أحسبه من أفضل ما أنتجت الموسيقى العربية منذ بداية هذا القرن.

     كميليا تسلت إلى روحك الدفينة و ثناياك الظاهرة، إلى قلبك الفيضي و عقلك الحسّي، بحيث لا يستكشف المستمع إذا كان يستمع من خلال أذنيه أم روحه إلا عندما ينتهي وقت الألبوم و تنطفئ شعلة كميليا المضطرمة، لتدرك بأنك كنت تستمع بحواسك، جميعاً، لأن شريط الألبوم هو سينما حية بأبعاد ثلاثة، و ليست موجات صوتية مفرغة في العدم، و هذه السينما بكافة مقوماتها لن تفارق خيالك، أبداً. فما ينتج هذه القشعريرة الحسية و الجسدية، بالتأكيد لن ننساه.
ألبوم "وميض" يتماهى بين عوالم شديدة التداخل، بين فلول الخلايا و أطراف الأعصاب، فهي كلمات من وحي أعمال عظماء الكلمة أمثال النبي جبران، أدونيس، بول شاؤول، و غيرهم، و هو ما يضيف للإبداع أبعاداً تتموضع بعيداً عن أي رفض جسدي لموسيقى "وميض،" فحتماً سيتقبل جسدك هذا الإنتقال، و هذا الزرع الجديد – زرع أذنين رهيفين.
تجربة كميليا هي ثورة نثرية بكافة المقاييس بمصاحبة عودها الفذ و إيقاعات فرنر هاسلر العبقرية، تصطحبك في رحلة حول محور مركز الذاكرة العريض الذي يتسع لمسافة سنوات ضوئية بعيدة، و حتماً هي رحلة في النهاية؛ نحو الهاوية.
أثناء طوافك في ركاب "وميض" الدوّار ستشعر و كأنك عجوز شاحب ذي شعر أبيض بائد، مموج، و كثيف، قابع تحت جبل شاهق من مقر الذكريات اللامرئية، ستشعر و كأنك نملة صغيرة وسط طبق ضخم من حساء الفيل، أو كأنك أكذوبة فادحة وسط مد من السراب اللامتناهي في أفق الأبدية.

     أنا أتوقع كميليا بشدة، فهي سيدة غير تقليدية، شاردة اللب دائماً، لم تعزف عن الموسيقى العربية التقليدية، بل حاولت و مازالت تحاول جاهدة أن توظف هذا الإرث الموسيقي الثوري التي تملكه، و تزكيه عبر رحلاتها الفنية التي تجوب آوربا بتراثها الثقافي العتيد مما يجعل المضمون عربي النشأة آوربي التلقيح، فتخرج هذه الموسيقى المهجنة جداً، الخاصة جداً، و المشعة لأقصى طبقات الإشعاع الفني الموسيقي في حزمة ضوء موسيقية نثرية كثيفة التشابك بين فوتونات الإبداع. كميليا لا تقنع بما هو موجود على قارعة الأذن العربية، بل تبحث عن الجديد، المتحرر، و المتطور، غير آبهة بما جمد في الأذهان، و جمدته الأوطان الخاملة و العقول الخاوية.
شئ مؤكد لا مراء فيه سيلقي بظلاله عليك بعد سماعك المتكرر لهذا الألبوم، فلا تندهش مثلاً إذا كتبت بطريقة مدهشة و غامضة، أو إذا قمت و زرت صديق لم تره البتة منذ سنين طوال، أو إذا تسلقت جبال الأولمب في مخيلتك، أو حتى إذا ذهبت لدورة المياه و بكيت بآلم، و ندم، و حسرة... فثمّة سحر يكتنف غموض هذا الألبوم. فوميض هو موضع تطهير العالم السفلي.
الآن، ادفع في هذا الألبوم أي ثمن، و لكن اقتنيه، و استمع لموسيقاه الجليّة، و استمتع بلحظاته النورانية، فكنوز الدنيا جمعاء لا تعادل ذرة من الإبداع الإنساني. و لكنك ستجد منه نسخة إلكترونية للتحميل هنا، على أي حال.

كميليا. أدمنك!


"نحن أهل الشاطئ الآخر
بشر يَتعذَّرُ الوصول إليهم
مع أنهم قريبون مرئيون
ليس لأجسادنا حدود ثابتة
و لم يبق في وجوهنا غيرُ النظر
فنحن مطرودون من نفوسنا
ممنوعون من الإقامة في بلادنا الحقيقية

نحن أهل الشاطئ الآخر
دمنا يتحدّى الزمن
لا يد تقدر أن تمحونا

ذلك أن كل ما يُسْكِرُ النفوس
أو يبعث فيها النشوة
تولَّدَ مِنْ حركاتنا

نحن أهل الشاطئ الآخر
سجناء مرآتنا الخاصّة
يسيل رمل الزمن بين أصابعنا
لم نرد أن نستسلم للأحلام
مع أنها اكتسبت قلوبنا." **

* الصورة من موقع رسمي لمسرح "ديل جاتو" السويسري.
** هنا حوار سي.إن.إن مع كميليا، حول "وميض."
*** "أهل الشاطئ الآخر" هي أحد أغاني ألبوم "وميض،" و هي كلمات دميترس أناليس، و ترجمها للعربية أدونيس، و أبدعت أدائها كميليا جبران.
                                                                                                                                             أحمد زيدان

June 26

حيوانات أيامنا 30

    ما أكثرهم! ما أكثر حيوانات أيامنا! كل يوم أقايل حيوانات جديدة، أتعرف على أدمغة جديدة، أشكل أفكار جديدة، أسطر حروف جديدة، و أخلط ألوان جديدة. هذا المخ الحيواني الذى أحويه امتلئ عن آخره، فقرر التخلص من كل شئ بطريقة أكثر حيوانية و أماناً. فجاء إلى هنا و ملأ المدونة أصباغاً و أحباراً، كلاماً من الماضي، و أسئلة عن المستقبل.
عفواً، لأول مرة سأتنازل عن الفصحى بعض الشئ، لأن التعبيرات الحيوانية لا تخلو من العامية كما تعلمون.
من يريد طرح أسئلة على مخي الحيواني، فليتفضل بمراسلته عبر بريده الإلكتروني:
hayawanat_ayamna@hotmail.com
و سأحتفظ بخصوصية الراسل، من أي جنس حيواني كان. و سوف أرد على الأسئلة تباعاً فى الأجزاء المتتالية من "حيوانات أيامنا."

1 – يسألني أحدهم، ما الذي تتذكره من عام مضى على بداية حيوانات أيامنا بقرابة ثلاثين جزءاً؟
- أحداث أليمة كثيرة، مسخرة، مفارقات، ملائمات، و لؤم. و لكني لا أخاف في الحق لومة لائم.

2 – يسألني أحدهم، في كل مرة أظن أن حيوانات أيامنا بأجزاءها المتتالية كفكرة ولدت عبقرية قد صدأت بالتتابع، و قتلت بالتكرار... و لكنها ترجع قوية، جزيلة، ساخرة، و فذّة عن كل ذي قبل؟؟
- يا سيدي متشكرين... أوضعتم تخاجلنا.

3 – يسألني أحدهم، زوّد الأسئلة في كل جزء عشان دوري ييجي بسرعة؟؟
- خد رقم و استنى دورك يا حبيبي... و فيه دورة مياة الحظيرة على إيدك الشمال، لو مزنوق!

4 – يسألني أحدهم، مش كفاية كدة و لا إيه؟!
- يا أخينا إفهم، حيوانات أيامنا لا تأخذ إلا نفس العنوان فقط، و لكن كل جزء منها هو تدوينة جديدة تماماً بمعطيات، أفكار، و قضايا جديدة... و هي في مجملها أفكار سريعة تناسب إيقاع العصر، و ثورية سرعته، و سرعة أفكاره، و سرعة تفكيري أيضاً.

5 – يسألني أحدهم، أود سؤالك في شئ، و لكن لا تضعه ضمن حيوانات أيامنا؟!
- فلنعط كل ذي حق حقه!

6 – تسألني إحداهن، المفروض حيوانات أيامنا تتنشر و الله بدل العك بتاع مدونات الشروق؟!
- المسألة نسبية جد، فالشروق مكتبة تجارية – مثل أي جريدة أو مكتبة أو شركة استثمارية – تهدف للربح، و لا شئ غير الربح، فهي لا يهمها إلا الإقبال و الإنتشار، أما المحتوى أو المغزى، فيأتي متأخراً قليلاً، أو لا يأتي على الإطلاق.
و من جهة أخرى، فالمدونات الشهيرة المنشورة و إن كانت تافهة بالنسبة إليك، فهي بالنسبة للسواد الأعظم من العامة حيوية، شيقة، خطيرة، و مثيرة، فدعينا نقول أنه الذوق العام السائد، أو انعدام الذوق العام الكاسد، أيهما أقرب!

7 – تسألني إحداهن، ألم تفكر في نشر حيوانات أيامنا؟!
- للأسف لا، فحيوانات أيامنا ما هي إلا شخرات ذاتية، و عَبَرات فكرية لن تخص عامة الناس في شئ، و لن تصلح للنشر، و الجواب فيها غالباً ما يكون رد على شخص بعينه في أغلب الأحيان، أو مناقشة قضية مُلحّة بلمحة خاطفة في أحيان أخرى، و في كلتا الحالتين سيختلف هذا الرد بتنوع الحيوانات و تعددهم بالتأكيد.
و إن تمخض الجبل لينشر حيوانات... عيب أوي!

* أجزاء سابقة:
-
الجزء التاسع و العشرون
- الجزء الثامن و العشرون
- الجزء السابع و العشرون

                                                       حظيرة الحيوانات الكبرى

* قاعة احتفالات حظيرة الحيوانات الكبري، و هي حظيرة ذات مصدر مفتوح.
                                                                                                      أحمد زيدان

June 24

لحم ديك رومي


لحم أم حلم؟؟


     عودي إليّ قبل أن ينبت ريش الوقت! عودي قبل أن أنبش قبور الزمان!
قبل أن ينثر الخريف ثمرات ربيعنا! و تشرد شتات الحروف و أفعال النسيان!
قبل منتصف الليل الغائم الوحيد! و قبل ذبول يوم و بعث يوم جديد!

     عودي! و أعدك أن لا نندم... عودي! و لن نندم أبداً على متع اقترفناها، و كانت آيات من سفر صلاة الخاشعين...
فلن نندم مثلاً إذا تساقط الكراميل بالكامل على جسدك العاري، و قمت أنا بعملية التنظيف و الخلاص - حيث لي في ذلك دروب شتّى و عِبَر.
و قولي لي إذن، أي طريق ستسلك أنت لتخليص قميصي من ذرات عشق منتظر مندثر، و بقع ولع من آثار نوبة حب بعيدة، و أزرار لهيب عذراء إلا من رهْس أصابعك، و دموع عرق جسد متحرر في نشوته الأولى، و حبّات ندى طقوس الربيع المقدسة و أمطاره المطّهَرة المطّهِرة؟!
أخمول حُلم خالي؟! أم إرهاص لحُلم جديد؟!

     "سلطان لحن قدها ينوء به أوتار عودها؛ بالإثم و العصيان، و توشي إلى ناظِريَّ؛ خلجاتها المتلعثمة، و يفضحها؛ حُمرة بياضها من تحت سروالها القرمزي القصير.
نستمتع بلحم الديك الرومي الماجن، و حلويات شرقية ملطخة بعسل اجتمع عند حافة بنصرها الأيسر و التصق بفعل لزوجة الشوق و كثافة الحنين، معاً. فأناملها مبتدى المسِّ و منتهى الجنون... نمتصها، و نعتصرها، و نغتصبها بوحشية الناهمين المستغرقين.
فوق ضوء أحمر يمتطي سجاداً إيرانياً ناعماً، تحت يوم ظل سابح ذاكر، على موسيقى القدود الحلبية، مع فتنة كأسين خمر مختومَين و سحر عطريّ عنبر و ياسَمين، و في حضرة فضاء فسيح اختلط فيه رهْط الروح بالشهوة بالزمن، فلفّنا الأول بانسيابه المخملي، و انطلق الثاني برَهْجـِه اللامع، و كبح الثالث جمحه الخاطف...

رقيقة كالأيهقان، و كريمة كالكهرمان... أفي الجنة أنا؟! أم من الجنة هي؟!

     كَعَبت، و صار نهداها كعبتي المفضلة، و الْتاعت، فتاهت، فتلاشت حدود الفضا بين كتلتينا، و صارت عَلكة أستأثر أنا بمضغها و تنجلي هي لمضغي...
علّنا نختلي بجسدينا، و نتخلى عن كل ذي بال، و نُفرِّغُ هوا المجرات من بين شفتينا، و نُفرِغُه هوى طاقات كونية في قوالب عشق و هوس متكثف.
ترهره غبار أنفاسنا بالتصاق حاجبينا، و لَوْطِ أنفينا، و حجب ماديتنا عن أفق مجال الرؤية المعتادة... لوثَةٌ غير آبهة، و لا مفّر من إذكائها!
نأكل الديك، فنصيح...
و من ثمَّ ثملنا، فاقتربنا، فتحسّسنا، فاشتعلنا، فاقترّنا، فاندمجنا مثل كِيان اقتصادي حار... فولجنا، فولّينا، فأعدنا، فأدبرنا، فعدنا، و تواصلنا كتوازي فيروز الشفق مع مغيب يوم حالم... فوصلنا... فخرجنا، فابتسمنا، و تعانقنا، و تشابكت الرؤى اعتناقاً، و من ثم انفصلنا... و كان فصلاً حقاً لشمس يوم جديد."

*الصورة ذات مصدر غير معلوم.
                                               أحمد زيدان   
June 21

حيوانات أيامنا 29


     ما أكثرهم! ما أكثر حيوانات أيامنا! كل يوم أقايل حيوانات جديدة، أتعرف على أدمغة جديدة، أشكل أفكار جديدة، أسطر حروف جديدة، و أخلط ألوان جديدة. هذا المخ الحيواني الذ أحويه امتلئ عن آخره، فقرر التخلص من كل شئ بطريقة أكثر حيوانية و أماناً. فجاء إلى هنا و ملأ المدونة أصباغاً و أحباراً، كلاماً من الماضي، و أسئلة عن المستقبل.
عفواً، لأول مرة سأتنازل عن الفصحى بعض الشئ، لأن التعبيرات الحيوانية لا تخلو من العامية كما تعلمون.
من يريد طرح أسئلة على مخي الحيواني، فليتفضل بمراسلته عبر بريده الإلكتروني:
hayawanat_ayamna@hotmail.com
و سأحتفظ بخصوصية الراسل، من أي جنس حيواني كان. و سوف أرد على الأسئلة تباعاً فى الأجزاء المتتالية من "حيوانات أيامنا."
 

1 – تسألني إحداهن، أنت تستخدم محسنات بيانية و بديعية خاصة بك و بنصوصك فقط، فأنت على سبيل المثال لا تراعي النظير على الإطلاق، بل تستخدم عكس مراعاة النظير، فتراعي اقتران التضاد، و هو ما يخلق هذا التراكب الغامض في نصوصك، و يجعلها مخاطبة للعقل، و المشاعر، و الحواس جميعاً؟؟
- أنا لا ألتزم حقاً بمحسنات قديمة قد أكل عليها الزمان و عفى، فالمحسن هو ما أستحسنه أنا، و أستسيغه، و ليس بشرط أن يتبع قوالب محسنات قد ابتكرها شعراء، أو كُتاب آخرين، و هذا هو البحث عن الذات في فوالب الذات و ليس قوالب الآخرين... و هذا ما يجعلك تشعر بأن الفكرة جديدة غير ركيكة، مستقلة خاصة، و ذاتية بحتة، في آن.

2 – تسألني إحداهن، أنت شاهدت لنا... و رأينا من خلالك نهاية الطريق؟؟
- مهما قرأت كتاباً و لخصت أهم ما فيه لقراء آخرين، فلن يستفيدوا مثلما أنا، و لن يستمتعوا بتعاريج الكتاب، دهاليزه، و ثناياه مثلما استمتعت، فلن يغنيهم الملخص عن متعة اعتراك الكتاب كاملاً ليتأثروا بلحظاته العصيبة، و يتشوقوا عند لحظاته المعقدة، و يأخذوا صدماته العنيفة... و حتى إن شاهدت لهم النهاية و شهدت عليها، فهم لم يروها حقاً بعد؛ لأن ليست كل النهايات متشابهة، و حتى إن خاض قراء عدة نفس الحياة.

3 – تسألني إحداهن، ما رأيك في فيلم ليلة البيبي دول؟!
- الفيلم يتّبع سياسة الكر و الفر، و خلوه من لمحة عن الهولوكوست كان قادراً على أن يفقده اتزانه و واقعيته الشديدة، فنظرة عبد الحي أديب شديدة الحيادية و التمحيص، فهو يرصد الظاهرة و توابعها بحنكة و تسلسل منطقي شديد الحكمة، و هو لا يفصل تبعات الظاهرة عن الظاهرة نفسها، و بذلك يحكم حكماً عادلاً شبه خالي من الأهواء و الأحكام المسبقة. ليلة البيبي دول رائعة عائلة أديب.

4 – تسألني إحداهن، يا خوفي يا زيدان ألاقيك بعد 20 سنة من الملتحيين و قد بت رفيقاً في الحزب الإسلامي؟!
- أنا لا أعتقد هذا؛ لأن دماغي ليست مفرغة، و لست شخصاً فارغاً، أيضاً.

5 – تسألني إحداهن، "أرني الله، أو لا ترني..." صايع أدب انت، أقول إيه بس؟؟
- و انت صايعة قلة أدب.

6 – يسألني أحدهم، ألا ترى في أرني الله، أو لا ترني..." تجاوز عن حدود المألوف و الأدب؟!
- لا تقتل الإبداع بدعوى الإبتداع!

7 - يسألني أحدهم، بماذا تشعر عندما تسمع "صنع في مصر؟!"
- تسمُم.
         
                                      Babydoll                 
* قد تجد البيبي دول على هذا الموقع، و لكنك لن تجد سولاف فواخرجي، بالتأكيد.
June 19

مرآة الهجرة

                                                                   ...

        
          أين ليليت، فقد انقطعت فجأة عن مراسلتي منذ فترة؟!
- تحولت للكاثوليكية، و هاجرت لروما.

و أسعد؟!
- اعتُقل، فعُذب، و قتل من فرط التعذيب في سجن تحأرضي شهير، بعد ضلوعه في خطة فاشلة لقلب نظام الحكم.

و رمزي؟!
- افتتح محل لبيع قطع غيار فيات بالمنيل، منذ عدة سنوات.

و نادر؟!
- أصبح كاتباً مرموقاً في أكبر مؤسسة صحفية قومية، و هي نفس المؤسسة التي كان يهاجمها بضراوة بالأمس على قهوة الحرية الهالكة.

و علاء؟!
- أمسى طبيباً خسيساً يبتاع و يشتري في أعضاء الناس، فهو ليس ماهراً، و يستغل فقر الناس المدقع. هو مليونير الآن و لم يعد يعرف أي منا، و عضو في نادي الجزيرة، و رئيس نوادي روتاري العاصمة.

و عطوة؟!
- كان محامياً ميسور الحال، و لكنه ارتشى أكثر من مليوني جنيه من النظام، و فيلا في المريوطية؛ لكي يغسل يديه من الدفاع عن أسعد صديق عمره، و بالفعل.

و هل لا تزال أميرة راقصة؟!
- تحجبت، فانتقبت، فانضمت لفرع جماعة الإخوان المسلمين في إمبابة، و هي من الكوادر الآن.

و سامر و لبيب؟!
- لا نعرف عنهم أي شئ.

و طارق؟!
- مات في حادث سيارة مريع على طريق القطامية هو و صديقته البولندية.

و موريس؟!
- وضع يديه في يد النظام الحاكم الذي كان يسب له كل الأديان و النحل بالأمس القريب، و أصبح رجل أعمال كبير و معروف، و هو أول وزير طاقة بعد التعديل الوزاري الأخير، بالإضافة لكونه نائب محصن بمجلس الشعب الحصين عن قرية ساقلته بسوهاج، قرية والده أساساً، لا يعرفه فيها أحد، و لم ينتخبه شخص واحد بالأساس، و لكنه نجح.

و عاطف السبع؟!
- لقد زنى بامرأة جمعة البواب، و قتله جمعة و عشيقته، و لكنه نجا، و يعيش الآن بشلل رباعي، قعيد في بيت سعاد أخته في حلمية الزيتون.

و جمال؟!
- لقد بات رفيقاً في الحزب الشيوعي.

و خديجة؟!
- تزوجت رجل أعمال شهير، يقولون أنه سعيد الطبال بعد عودته من العراق، و هي تقيم الآن معه في بوخاريست،
و تقضي إجازاتها بين موناكو و القاهرة... بعدما كانت أقصى أحلامها كورنيش الملك الصالح، و ذرة، و سينما صيفي مظلمة.

و وليد؟!
- لم يتغير... كما هو وليد الحلواني... سكير عربيد لا يملك قوت يومه، يعيش على إعانة أخيه العاجز محمود السمكري. ضبط قواداً منذ عدة أيام بشقة مفروشة بالعجوزة، و هو قيد تحقيق النيابة الآن. و لكن صلة فؤاد باشا القوية بأبيهم الحاج الحلواني رحمه الله هي كفالته الوحيدة دائماً، فإن كانت تفصل بينك و بين البراءة نسب، فقد يقيم ضباط الشرطة في مقام الوالد.

و مصطفى؟!
- تزوج ممرضة يهودية من أصل روسي قابلها في إحدى حانات أوكرانيا الوضيعة، حيث كان يعمل في شبكة دولية لتجارة الأسلحة، هاجرا لإسرائيل و أنجبا طفلين، و أخذ مصطفى الجنسية الإسرائيلية.

و إمام سلكة؟!
- يجري خلف الموالد و الأفراح... نفس الطريق الذي سحبته له أميرة يوماً – مازال يقترفه.

و إلهامي؟!
- لقد سلك طريق العارفين بالله بعد موت سلوى، و هو زائر دائم لدى جامع السيدة نفيسة، يرتدي الصوف الأخضر الخشن، يسقي الناس حول الميدان، ينام ملتصقاً بحائط الجامع، و يأكل فتات الطعام من الأزقة و أكوام السباخ، حتى انفلت عوده و أصيب بأمراض عضوية و نفسية تركت آثارها على وجهه الشاحب المتذبذب، و ضحكته الهستيرية بلا أي مبرر... لا يتذكر أي منا، و هو على حالته دائماً: سابحاً.

و منى؟!
- تزوجت بعدما إيمانها القوي براند، و أنجبت أربعة أطفال رغم مكافحتها السابقة لتنظيم النسل كطبيبة. تغيرت ملامحها الرقيقة لامرأة أخرى غابرة في أربعينياتها قد أكلتها خنازير الزمن؛ فقد صارت بدينة رتيبة بعد عود فرنسي حطت عليه خطوط الموضة و أكلت منه، و من شعر أسود رقيق لحجاب رخيص باهت منعها زوجها من الخروج بدونه، و حتى كتبها المفضلة، أحرقها جميعاً، حتى تمنت الموت.

- و كريم؟!
- التحى و أطلق يديه ينهى و يأمر أبناء شارعه، يذهب لزوايا و مساجد شاذة، و يلعن الخمر الذي كان من أشد ثمليها حرقة يوماً ما، حتى صار سلفياً متشدداً وجهه أقرب لإرهابيي طالبان، و حتى النساء اللائي كان يمجدهن و ينحت لهن أشعاراً يوماً ما، صار يسبهن في الطرقات، و يضرب بنات أخته – أولاد ميسة – مع أنهن لم يتعدين السابعة.

- و منة الجوهري؟!
تزوجت كريم.

و أين أحمد... لم أره منذ عودتي؟!
- قد قتلته الفلسفة و الجنون و الذات، حتى لقد أنقذه أهله الجمعة قبل الماضية من الإنتحار... و قد بدّل صورة الصليب الذي كان يؤمن به لصليب مقلوب، و صورة كبيرة لنيتشه يتجه إليها.

- لماذا لم تندهش من كل هذه الأحوال؟!
إذا كان الزمن لم يندهش و قد رأى أضعاف ذلك و شهد أهوال و مآسي لم يرها إلا هو، و مازال يمضي غير مندهشاً... فلماذا أنا؟!

                                                                                                                                                      أحمد زيدان
   
June 18

حيوانات أيامنا 28

     ما أكثرهم! ما أكثر حيوانات أيامنا! كل يوم أقايل حيوانات جديدة، أتعرف على أدمغة جديدة، أشكل أفكار جديدة، أسطر حروف جديدة، و أخلط ألوان جديدة. هذا المخ الحيواني الذى أحويه امتلئ عن آخره، فقرر التخلص من كل شئ بطريقة أكثر حيوانية و أماناً. فجاء إلى هنا و ملأ المدونة أصباغاً و أحباراً، كلاماً من الماضي، و أسئلة عن المستقبل.
عفواً، لأول مرة سأتنازل عن الفصحى بعض الشئ، لأن التعبيرات الحيوانية لا تخلو من العامية كما تعلمون.
من يريد طرح أسئلة على مخي الحيواني، فليتفضل بمراسلته عبر بريده الإلكتروني:
hayawanat_ayamna@hotmail.com
و سأحتفظ بخصوصية الراسل، من أي جنس حيواني كان. و سوف أرد على الأسئلة تباعاً فى الأجزاء المتتالية من "حيوانات أيامنا."

1 – يسألني أحدهم، كيف ترى الطائفية المريرة بين البشر بسبب الدين أو المعتقد؟؟
-  أراها حرب حيوانية قذرة، و صراع لا طائل له و لا هدف منه، فهي صراع بلا أي مبرر عقلاني، إذ أنها ليست صراعاً بسبب البقاء، فلن يفنى دين عن بكرة أبيه، و لن يفنى معتقدون؛ لأن هؤلاء الحيوانات المتطرفة لا يتغذى بعضهم على بعض. و هي بالمثل ليست صراعاً بحثاً عن قيمة معنوية أو مكسب مادي؛ فلم تكن أبداً القيمة و المكسب بالقتل و الخراب. فهي إذن حرب عبثية غبية تنقصها الدوافع المنطقية و يعوزها منطق الصراع؛ لأن الصراع حتى و إن كان صراعاً غير شريفاً، أو حتى صراعاً حيوانياً في غابة، فهو يقوم أساساً على مفاهيم الكسب، الغنيمة، و البقاء، فهو ما تزال تحكمه القواعد المنطقية للصراع... و لكن هذا الصراع الحيواني بسبب الطائفية سواء الدينية أو العرقية ليس منطقياً و لا شريفاً، على الإطلاق.

2 – تسألني إحداهن، مهووس أنت بـالذات و اللّذات، و التثنية و التنكير، و التعرّي و المرايا، و الترميز و الغموض؟!
- إن الهوس هو ما يولد التفرد، و من ثم الإبداع.

3 – تسألني إحداهن، ماذا يكون رد فعل موظف الجمارك إذا وجد "ديلدو" مع ملتحي أو منتقبة؟؟
- يكشف عليها، فإن كانت مثيرة، يمررها و يأخذ رقم هاتفها للإستخدام الشخصي... أما لو كان رجلاً، فيمرره أيضاً، و لكن ليقيم عليه الحد! و هنا تكمن قمة التفرقة العنصرية الجنسية.

4 – تسألني إحداهن، هل يعرف أهلك شئ عن ما تكتبه أو ما تعتقد فيه؟
- الميزة الكبرى أني ولدت في بيت خالي من النزعات الحادة، سواء نزعات دينية متطرفة، أو سياسية، أو فلسفية، فكان و لا يزال حقلاً محايداً قابل لزرع أفكاري الخاصة دون تدخل من أو اعتراض من أحد، فأهلي يترك لي حرية و خصوصية كبيرة، جد، فأنا في مرحلة باكرة جداً من تكوين الذات، و أي محاولة لاختراق خصوصيتي أو انتهاك حرمة أفكاري هي قتل لشباب طموحاتي العابثة و طيش أفكاري المتناثرة... و لن تجد – محاولات الإختراق – معها إلا الهرب دفاعاً عن بنات أفكار عذراء شاردة، و أشباه أطفال معتقدات في المهد... فأنا أدافع عن أفكاري و معتقداتي دفاع الأسد عن لبؤته!

5 – يسألني أحدهم، أنا أعتقد أنك ثمة ملحد، و هذا شئ لطيف، و لهذا أضفتك؟؟
- و أنا أعتقد أنك تملك ثمة رؤية ثلاثية حادة ما-بعد-الحداثوية، و ستكون "زبوناً دائماً" في قاعة احتفالات حظيرة الحيوانات الكبرى... و هذا ثمة شيئاً آخراً لطيفاً جداً، و لهذا أعتقد أني قبلت إضافتك.

6 – تسألني إحداهن، تباً لمن يفلسفون المشاعر؟؟
- و تباً لمن يضجروا من هذه الفلسفة، و من ثم يعجبوا بهذا، بل و يتبعونها.

7 - يسألني أحدهم، لماذا يفضل معظم رجال الجوزاء – مثلك - قعدات النسوان؟؟
- هو بعيداً عن كوني "جوزاء" مُشبّع و كونك "ثور" هائج، فلا "جوزاء" عاقل و لا "عذراء" بكر قد ينكر أن "قعدات النسوان" - كما تطلق عليها - هي أفضل على كل الأحوال؛ فرائحتها حلوة كمسك الختام، و جوها رطب بأعذب الكلام، و أشيائها ناعمة كريش النعام.
أنا أفضل الجلسات الناعمة لا شك، و لكني لا أؤمن مثلك بالنجوم و بأبراج الحمام.
 
* أجزاء سابقة:
- الجزء السابع و العشرون
-
الجزء السادس و العشرون
- الجزء الخامس و العشرون

                                                                             Dildo

* هذا الديلدو العبقري من هذا الموقع الشاذ.
June 12

!إذن، فلنتقابل على ساحل البحر الأحمر


!إذن، فلنتقابل على ساحل البحر الأحمر
    

     يقولون أن أيامي معدودة، و قصائدي غير مقروءة... هيهات! فوالقلم! هم لا يعوا أن في إدراكك – أنت – ما عجزوا – هم – عن فك طلاسمه: إعجاز و تعجيز.

قرينتي،
           
بعد الصلاة،
     ماذا تفعلين الآن في الظلام الساحق؟؟ أتحاولين جاهدة أن تتذكري طيف ملامحي؟؟ أم سابح خيالك في بحور الظلمات السحيقة؟؟
كيف ترينني الآن؟؟ أدامس أنا إلى حد بعيد؟؟ أم أن المصباح الذاتي ضعيف ضوءه، و صوت المروحة مزعج، و الرطوبة قاتمة مانعة ممتنعة؟؟
إذن، فلنتعرى... فلنتعرى كل في مكانه المرئي... فلعلنا نشعر بوحدة مبهجة، بدلاً من قسوة الوحدة الجامدة!

     ماذا تسمعين الآن؟؟ أتسمعين صرير حبرك عندما تخط أناملك اسمي؟؟ أتسمعين نقش الحروف و لون الفرشاة وسط هدير المدافع، و عزيف العواصف، و هدير الطائرات؟؟
و كيف لنا – إن سمعنا - أن نفهم صرخاتنا المرة المكتومة تحت وطأة الحرب و في ظل صمم العيش؟!

     ماذا تأكلين الآن؟؟ هل صنعتِ كعكة بلوز من شتات الحوائط المتهدمة؟؟ أشهي فُتاتُك الوصل؟؟ أم لاذع زادك الهجر؟؟ أطهي الطعام جيداً أم سريعاً لانقطاع التيار؟؟ و إن كان جيداً، أتشعرين بلذة جماع اللسان بحبات الطعام بهذا الدلال التي كانت تقشعر له حواسك هنا؟؟
إن كنت أحببت ردائك الأبيض و أشتاق له الآن كطفل رضيع، فإني لم أعد أستسيغ الطعام الأبيض، حبيبتي... فهل تعودين الآن؟؟ عودي لنقتل كل الطعام الأبيض و لا نبقي غير الشوكولا! عودي لنحرق سوياً كل طعام الطبيعة الأبيض؛ لنتدفأ على بخاره المتكثف، و نعيش أيامنا على نبراسه المنير، و نتحد، فنحترق، فنذوب بلهيبه المستعر!

     و ماذا ارتويتِ اليوم؟؟ أشربت ماءاً حاراً كصيفنا هذا أم بارداً كأجسادنا هذه؟؟ أشربت؟؟ أم انقطعتِ، فصُمتِ، فتبتّلتِ... و زهدتِ عن أي، إلا ريق جوفي الذي مضى؟؟

     أإنقطعت الكهرباء ثانية؟؟ أعَوْد على بدء من حلقات الأفول المتشعبة؟؟ أم عاود التيار بزوغه المتثائب متكاسلاً متردداً عبر طرق طويلة عمياء يتلمس أسلاك بالية و مشاعر وعرة؛ ليضئ ابتسامات جافة، و وجوه قد جلدها الإنتظار؟؟
إني قد قطعت التيار عني، أيضاً... فلعلنا نشترك في ظلمة متوحدة، خيراً من الأضواء وحيداً. فضوء لا ينعكس على عينيكِ أولاً، هو ضوء معتم، زائف، و حقير لا يستحق البقاء، و لا يمت للأضواء الباهرة بصلة!
و يا ليل! أنت الوحيد الذي تفصل كلانا عنا، فهلا تزحزحت قليلاً؟؟ حتى نبحث وسط غمامك السادل عن آثار ذكريات تلملم بقاياها و ترحل مشتتة خلف كواليس الزمن المترامية أطرافه... فقط قليلاً؟؟ حتى نفتش عن الحبيب المتخفّي بين ضلوعك! خلف ثوبك الأسود المرقع الرثّ!
هلاّ نتحلل ذاتياً في جنح الليل الضاربة إلى عناء الفؤاد، و السامقة إلى عنان السماء!
هلاّ نمارس ويلات الحرب و الشبق على طبول الحب و الدمار!

     أتصيحين و نمرحين الآن، مرح الغير مكترثين؟؟ أم أصبح هنالك الصوت جريمة باطشة، و المرح عقوبة جزاءها اللاوجود.
و كيف تنامين؟؟ و أصداء صمتي عن مسامع نهمك متذبذبة؟؟ و مردود كلماتي عن راد أحاسيسك متقطعة؟؟ و أصابع يداي عن خاتم أصابعك منقطعة؟؟
و ما هي أحلامك و أقصى تمنياتك؟؟ أتحتلمين بي في أقصى أحلامك فجوراً؟؟ أواضحة صورة قميصي الباهت؟؟ أم مطموسة معالمها كأسلاك هواتف ثمانينيات القرن العشرين؟؟

     أتمشين في أبي نُواس وحيداً كما اعتدتِ لتنعمِ بنسيم دجلة الآخاذ في هذا القيظ المفرط؟؟ أم أصبح أبو نواس ثكنة، و دجلة مرتعاً للأوبئة السانحة و لحشرات الحكومة الإنتقالية السرمدية؟؟ و أين شارع الثورة تحديداً؟؟ أقريب من بيتكِ موطني الذي يكتنف وطني بين ثنايا جنباته و تتوطن بع غربتي؟؟ و إذ كان قريباً... فهل الثورة قريبة حقاً؟؟ ثورة قربنا، فاقترابنا، فدمائنا المختلطة؟؟ و هل لازالت آثار الخليفة في محلها؟؟ أم ساحت بين الركائب و الخلائق، و أكلها زبانية الجحيم ببنادقهم، بين ما أكلوا؟؟

     و ماذا بفاعلة أنت في المساء؟؟ أتشترين ثوب أبيض جديد ملطخ ببقع دماء غير قديمة؟؟ أم حذاء أسود مترب معتَّق غير لامع من وسط المدينة قد داسه قبل قدميك  - المنمنة تفاصيلها - بوط حديدي ضخم لجندي أكثر ضخامة قبل ركونه للأسواق قبل قرابة الثلاث سنين؟؟ أم تتبضعين مستاءة من جودة الخامات في غياهب الحرب و نقاط التفتيش في غياب السلام؟؟

     هل تدهنِ ساقيك اللامعتين الناعمتين كإستبرق بماء وردية ملوثة بدخان رمادي متصاعد من خلف النافذة البعيدة المبللة بعرَق الهلع و دموع الصبر، معاً؟؟ أم أن دهق التحرشات المسعورة، و أكوام السباخ الشاهقة، و زرائب المجازر الحيوانية أقوى و أشد تأليماً؟؟
كيف تلعبين؟؟ و كيف تعملين؟؟ و كيف تشاهدين برامجك المفضلة في عطلة نهاية الأسبوع؟؟ و كيف تقرأين كتبك الباعثة على الضحك و النسيان؟؟ و كيف تستمتعين بالموسيقى؟؟ ألاهية موسيقى الروح عن مزامير ذكري؟؟ أم لازلت تتذكرين اسمي قبل كل بداية، و لا تنسيه بعد أي نهاية؟؟

     هل ستصبغين شعرك بالأحمر القاني كما اعتدتِ بالأمس القريب؟؟ أم أن كافة درجات الحمرة قد سدت منافذ الشمس حتى الغد البعيد؟؟
و هل سنتضاجع عن بُعد؟؟ أم سنكتفي بالحدود السياسية الزائفة؟؟ أفي البُعد مشقة توافق آلام الطلق عند امرأة تحمل لأول مرة و لا تحتمل أبداً؟؟ أم أن آلامنا مثل معاناة المسيح قبل الصلب أو الرفع؟؟ أم أكثر قليلاً؟؟
متشكك؟؟ لا يهم بالأساس... و لكني غير متشكك في إيماني بكِ!
إصبغي! إصبغي يا صغيرتي! فإني معك في كل قطعة زمن يقتطعها العمر من لحم جسدينا بربا القرض و نحن بُعداء، و في كل حين.

     أتشتاقين لعينايا؟؟ أتحنّي لبياضي الأقرب للثلج الدافئ؟؟ أتحبي أصابعي في توسطها بين الطول و القصر؟؟ فلأعطينَّكِ إياهم... و لكنك تأبين علي العيش ضريراً! فأنت تريديهم و لا تريديهم بغيري! و هذا عذاب متضاعف كمرآتين متقابلتين في غرفة حالكة يعكسا دورات عذاب أخرى متداخلة كالحة غير نهائية!
أتشتاقين إلى سحر كلماتي المبهر؟؟ فوالله إني أشتاق إليك كعابد ساجد يتشبث بالأرض و يحفر بأظافره بها كي لا يغرق، فالأرض أقرب شئ إليه في وضع السجود... و أنت... أنت أقرب إلي في وضع الحياة.
فأنت اسمي، جنسي، جنسيتي، ذريتي، سلالتي، و انتمائي...
و هل إن كنت سنياً و أنت شيعتي، أو كنت شيعياً و أنت أهل بيتي... هل لنا من فرار يحملنا و نهرب به؟؟ من قرار ينقذنا من مستنقع انهيارنا؟؟ من قدر يرحم شبابنا العاجز و نذكر له؟؟ من بديل لوحشة الإنفراد؟؟ أو شفيع من سوط الإنتظار؟؟
إنا منتظرون! إنا منتظرون!
فما أهون كُربلاء بما نعيشه من نفاذ الأحوال مع بقاء السبل! و انقطاع الإتصال مع قطعية التواصل!

      عبثت أنت بفكرة انتصاف لقاءنا بين قطبينا على ساحل البحر الأحمر؛ فدماء بكاء فراقنا قادرة على أن تجعل من البحر الأحمر محيطاً أحمراً... أتشتاقين لهذا العبث الجاد، الآن؟؟
إذن، فلنتقابل في أي موقع، جحيماً كان، أو جنةً ثامنة!

     و اعلم قرينتي - إن وصلك كتابي هذا - بأن عذابي قائم يصلي في محراب عزلته، بانقطاع عينيك عن نظري، و  انقطاع أصابعك عن صدري!
متفرد بصبابتى، متفرد بكآبتى، متفرد بعنائى!
فالقوة! القوة! و الصبر! الصبر! و لتكن كاف "أحبكـِ" مدفع قائم – مثل عذابي - منتصب بذاته يرد كيد الأعداء في نحره... و لنجعلها مدفع ضخم، وقوده الحب و الإشتعال... و لنجعلها مدفع أخضر لون سروالك الربيعي، و لنجعلها مدفع كناي بنغم فيروزيتك المفضلة، دافع لنا خيراً، دافع عنا شراً؛ يدمر الكائدين لك بسوء... و يمهل الكائدين لي، لعلهم يعقلون؟!

* اللوحة للرسام الأمريكي بارنابي فرناس.
                                                                أحمد زيدان