Ahmed's profileSir Zidan MirrorBlogLists Tools Help

Blog


    7/1/2009

    أربعة أسفار من توراة العاشقين

                                                                    The Girl With the Rosa in the Setting of the Sun 
    إشكاليّة التّكوين:
         الطّاقة لا تُستنفذ ولا تُستبدل، ولكنّها تتحوّل من شكل لآخر. وهكذا ثورات العاشقين.
         1: 3 وَقَالَ اللهُ: «لِيَكُنْ نُورٌ»، فَكَانَ نُورٌ.
         الإنسان كائن انتقائيّ بطبعه؛ يحتفي بكلّ ذكرى تمثّل لديه قيمة الحبّ العليا، بينما يسقط من وعيه تمامًا كلّ ما لا يمتّ للحبّ بأوهى صلة.
         أنت الأولى والأخيرة، الظّاهرة والباطنة، الطّاهرة والغاوية، النّجاة والهاوية، الفناء والخلود، الارتكاز والشّرود، التّفكّر والجنون، والانفلات والسّكون.

    الارتقاء والنشوء:
    إذا تكوّنت الأبجديّة من حرف واحد، فمن أين تأتي اللّغة؟!
    إذا تكوّنت البشريّة من لون واحد، فمن أين تأتي الحضارة؟!
    إذا تكوّنت الأرض من جنس واحد، فمن أين تأتي الألفة؟!
    إذا تكوّنت الموسيقى من مقطوعة واحدة، فمن أين يأتي الإبداع؟!

     
    إشكاليّة الوجود:
         الوجود هو ما هو كائن (l'Être et ce qu’il est). هذا ما ينبغي أن يتعلّمه الفكر المستقبليّ، ويبلغ به القاصي للدّاني، ليجرّبه ويؤكّد أنّ الوجود - ليس هو الله، ولا هو أصل العالم. الوجود أبعد من كلّ موجود، ومع ذلك فهو أقرب إلى الإنسان من كلّ موجود، سواء كان صخرةً، أو حيوانًا، أو عملًا فنيًّا، أو آلةً، سواء كان ملاكًا أو إلهًا. الوجود هو الأقرب للإنسان. بيد أنّ هذا القرب يظلّ الأبعد بالنسبة إلى الإنسان؛ فالإنسان متعلّق، أوّلًا ودائمًا وفقط، بالموجود.
         النّتيجة الآن هي أنّ الوجود ليس هو موجود، و لا هو موجود بين الموجودات.
         وجود الموجود – هو ما يجعل كلّ هذه الأشياء وهؤلاء الأشخاص موجودين. إنّه لا يتطابق مع أيّ من هذه الموجودات، و لا حتى مع فكرة الموجود بشكل عام، و بمعنى ما، فهو لا يوجد، وإذا وُجد، فسيصبح موجودًا بدوره. وهكذا أنتِ!
         لمّا كان الوجود فيكِ وحدك، صرتُ أكثر انتقائيّة بشأن وجود الأشياء، حتى كدت لا أصبغ شيئًا بكنه الوجوديّة إلّا من خلال وجودك فيه أو من حوله. فكلّ لا قيمة فيه ولا رجاء منه، إلّا إذا تقاطع فراغه الباهت مع وجودك السّاطع، فيتطوّر نحو الوجود. وكأنّك تسكبين، بكرم معهود، صفة الوجود على الموجود، وصفة الموجود على الوجود، وكأنّ الموجود يستمدّ قوّته الحقيقيّة من وجودك في محيطه، أو وجوده في محيطك بالأساس. 

    الارتقاء والنشوء:
           
    إذا تكوّن عقلي بدون عقلك، فمن أين يأتي الفكر؟!
    إذا تكوّن جسدي بدون جسدك، فمن أين يأتي الحبّ؟!
    إذا تكوّن دمي بدون دمك، فمن أين يأتي الامتزاج؟!
    إذا تكوّن قلبي بدون قلبك، فمن أين يأتي النبض؟!

     
    إشكاليّة العدم:
         السبت 25 أغسطس/آب 2007، 14:44 GMT.
    بي.بي.سي.: العلماء يعثرون على "العدم الكونيّ."
         منذ بارمنيدس في القرن الخامس قبل الميلاد، حدثت تعلّقات متفائلة بإمكانيّة عالم فارغ، في نفس الوقت التي حدثت فيه انقسامات، حول إذا ما كانت هناك فراغات، وطبيعة العدم والسلب. هذا السؤال أدرجه مارتن هايدجر كأهمّ مدخل أساسيّ إلى الفلسفة. لماذا نتوقّع لا شيء بدلًا من شيء؟ لا تجربة يمكن أن تدعّم فرضية 'لا يوجد شيء؛' لأن أيّ ملاحظة تستلزم بوضوح وجود ملاحظ.
         هل هناك أيّ دعم مسبق ل'لا يوجد شيء؟' قد يجيب المرء بمنهجيّة أساسيّة أن يجعل العالم فارغ الأصل. كل من زعم وجود شيء وجب عليه الإثبات، والذي لم يزعم بشيء لا إثبات عليه. هذه الحروف السّوداء التي تقرأها الآن... هل تراها؟! لماذا؟! هل لوجودها؟! أم لانعدام ما حولها؟! نجمك جليّ بارز للعيان، ولا مثار جدل حول ثبوت وجودك وفناء عدمك.

         أطلانطس (
    ἀτλαντὶς νῆσος) أو جزيرة أطلس، قارّة افتراضيّة أسطوريّة، أو عدميّة، لم يثبت وجودها حتى الآن بدليل قاطع، ذكرها أفلاطون في محاورتين مسجّلتين له مع كلّ من طيمايوس وكريتياس، إذ سرد ما حدّثه به جدّه طولون عن رحلته إلى مصر ولقاءه مع الكهنة هنالك وحديثهم عن القارة الأطلسيّة التي حكمت العالم يومًا ما.

          نشأ الكون من العدم نتيجة لانفجار عظيم. وقد ظهر نظام الكون المتقن الحاليّ بسبب تناثر جميع الجسيمات والقوى التي تكوّنت بتوافق ونظام هائلين منذ اللحظة الأولى لهذا الانفجار الكبير.

         أعقد مركّبات المادة هي الذرّة، والتي تحتوي على إلكترونات سيّارة سالبة خارج النواة، والتي تحوي بدورها بروتونات موجبة بالإضافة لنيوترونات متعادلة. تتضاءل التفاصيل أكثر فأكثر، في الذرّة والخليّة الحيّة على السواء، فتصير الأجسام جسيمات، والشحنات شحينات، حتى الوصول للعدم. إذن، فالعدم، نظريًا، هو الأساس في هذا الكون. الإنسان لم يأت إلّا من العدم، ومردود إليه. أأنتِ العدم؟!

         على الجانب الآخر، يقول ابن حزم الأندلسيّ، الإمام البحر: "والفساد عندنا على الحقيقة افتراق الجسم على أشياء كثيرة وذهاب أعراضه وحدوث أعراض أخرى عليه، وأمّا الأجرام كلّها فغير معدومة الأعيان أبدًا بوجه من الأوجه، ولكنّها منتقلة من صفة إلى صفة كما قال القرآن: {خَلْقًا مِنْ بَعْدِ خَلْقٍ} (6 الزمر 39)."
         فرضيّة العدم في علم الإحصاء (Null Hypothesis) أو HO، هي الفرضيّة القائلة بأنّ الفرق الملاحَظ بين مجموعتيّ التجربة والشاهد في العيّنة ناتج عن الصدفة، وغير موجود في الجمهرة، وتعتبر صحيحة حتى يتمّ إثبات بطلانها بواسطة الاختبارات الإحصائية.

         ألّمعدوم شيءُ أم لا؟! قيمة وجود أيّ مادة تساوي قيمة الحاجة إليها إذا ما انعدمت. أي أميرتي! عدمُك لا يقاس إلّا بالنّضير، أمّا وجودك، فلا قياس له!
         لكم أشتاق لاتّحادنا حتى العدم! ولكم أشتاق لتشقّق الشفاه القرمزيّة! وجفافها المزريّ بعد نوبة حبّ مطوّلة بطعم الشعير! ونزوة! وشعلة! واشتباك سكريّ طويل المدى مع لسانك وبين فكّيك! لكم أشتاق للانعدام بين ساقيك! أو الغرق في ضوء عينيك! أو التّحلّل في حرارة حنينك! لكم أشتاق للتّمذهب بعقيدة حبّك! و التّحرّر بموسيقى نهديك! فكلّ من العدم ومردود إليه. فليتماهى وجود عدمي مع وجود عدمك! وليُنشئا باتّحادهما دينًا جديدًا؛ لتضفي عليّ بعض ما أوتيتِ من علم!


        
    مدافن الأحياء؛ مقابر أهل العشق ابتغاء مرضاة الملّة. 1370 هـ.


    الارتقاء
    والنشوء:
    إذا تكوّن فكري بدون فكرك، فمن أين تأتي الحداثة؟!
    إذا تكوّن هوائي بدون هوائك، فمن أين يأتي الاندماج؟!
    إذا تكوّنت روحي بدون روحك، فمن أين يأتي الهوى؟!
    إذا تكوّن تبسّمي بدون تبسّمك، فمن أين يأتي الابتهاج؟!
     

    إشكاليّة الميلاد:

         يختلف
    المؤرّخون حول تاريخ ميلاد عيسى، بينما متفائلون آخرون يجزمون بأنّه لم يكن هناك مسيحٌ. لا يهمّ حقًّا، فأنت هنا... الآن، وهذا يكفي! لا تهمّ الحقائق، فمعظمها مزيّف، ولا يهمّ التاريخ، ولا السّاعة، ولا الأيّام، ولا غصون الأشجار الغضّة. ما يهمّ وما هو حقيقيّ أنّك موجودة بكيانك وكينونتك.
         هل ميلاد عيسى يستحقّ أن يؤرّخ به العالم؟! وماذا عنكِ؟! أريد أن أُمسك الوقت الذي ولدتِ فيه، علّي أحلّل خصائص كماله.
         4: 4 في البداية كنت أنت.

         نحن نُولد ثمّ نموت، وبين هذه وتلك، يولد آخرون ثمّ يموتون، وهكذا دواليك حتى لا نهاية في حلقة مفرغة من العبث المضنيّ، فلا من عاش ثمّ مات بقى، ولا من يعيش الآن سيبقى للأبد، وإن بقيت كلماتي لبضع سنين، فمآلها في النّهاية معروف مسيقًا ولا مبالٍ - الموت. ولمّا كانت هذه العبثيّة المسليّة تفتك بالكون فتكًا، فلا أحد يعرف سبب وجودي أو وجوده؟

         كلماتي ما هي إلّا منك وإليك، فكلماتي داخَلتْك وداخَلْتيها مثل مياه عذبة على ضفّة خليج العقبة، مثل الصّخرة التي تحاصر المنحوتة، مثل المقطوعة التي يكمن بداخلها الإحساس، مثل المرآة التي تتربّعين داخلها أنت. أنت الكاتبَ والشاعرَ والفنانَ، وما أنا إلّا متلقّي كطبق ستالايت أبيض، يفرج ساقيه ويحتذي الهوى؛ ليلتقط الإشارات، فيبعث صورًا مرئيًّة عالية الجودة والوضوحيّة.

         هي ليست إشكاليّة ميلاد، بقدر ما هي إشكاليّة هويّة بالأساس، فأنا أهواكِ، ومعك وُلدت، فصرت ثملًا بكليهما - بك وهواك - حتى صرت أتحسّس الأشياء بأيدٍ مرتجفة، متخبّط الحواس، أهَواك سبق ميلادي أم ميلادي بُعث من هواك؟!

        
    أربع وردات برتقاليّة فاقعة، وأربع كرات آيس كريم مثلّجة في وضح الرّبيع، وأربع ساعات من الولع المحموم، العلامة الرابعة مارقة، والغرفة الرّابعة حارّة، وآمال زيتيّة ساطعة.

         تجرّدي من أعباء التّاريخ، والزّمن، والعالم، فاليوم يحملنا لتعيين مدّة بقائك على الأرض حتى الآن، أو بقاء الأرض بك على أقلّ تقدير. كلّ عام وأنت أقوى... فالسّلام والخير لا يعنيان شيئًا للضّعيف، ولكن فقط للقويّ، للإنسان الأعلى، مثلِك.

    الارتقاء والنشوء:
    فإذا نشأتُ أنا بِلاك، فلما تلك الحياة؟!
    وإذا كنتُ ولم تكنيني، فهل أنا موجود حقًّا؟!
    فإني لم أكن لِأُخلق لأحد سواك!
    فإذا لم تأتِ أنت، فهل أتي أنا؟!
                                                         أحمد زيدان
    * اللوحة "الفتاة مع الوردة في حضرة الشّمس" هي للرسّام الألباني آجيم ميتا، وهي إنتاج عام 2006.
    6/25/2009

    حيوانات أيامنا 51

         ما أكثرهم! ما أكثر حيوانات أيامنا! كلّ يوم أقابل حيوانات جديدة، أعرف أدمغةً جديدةً، أشكّل أفكارًا جديدةً، أسطّر أحرفًا جديدةً، وأخلط ألوانًا جديدةً. هذا المخّ الحيوانيّ الذى أحويه امتلأ عن آخره، فقرّر التخلّص من كلّ شئ بطريقة أكثر حيوانيّةً وأمانًا، فجاء إلى هنا ونثر بالمدوّنة أصباغًا و أحبارًا، كلامًا من الماضي، وتساؤلات عن المستقبل.
    عفوًا، فلأوّل مرة سأتنازل عن الفصحى بعض الشئ؛ لأنّ التعبيرات الحيوانيّة لا تخلو من العاميّة، ولا شكّ.
    من يريد طرح أيّة أسئلة، فليتفضّل بمراسلة بريد الحيوانات الإلكترونيّ:
    hayawanat_ayamna@hotmail.com
    و سوف أحتفظ بخصوصيّة الراسل، من أيّ جنس حيوانيّ كان، وأردّ على الأسئلة تباعًا فى الأجزاء المتتالية من "حيوانات أيامنا."

    1 – تسألني إحداهن، هل تؤيّد منع التزاوج بين المعاقين ذهنيًّا، أو الذين قد يورّثوا أمراضًا خطيرة لذريّاتهم في حالة إنجابهم؟!
    - أولًا، طبيًا، الحالات التي تعاني من إعاقات ذهنيّة قلّما ما يكون لديها القدرة على الإنجاب، وإن كانت خطيرة بالدرجة الكافية، فالطبيعة لا تسمح بوجود فرد لا تتوائم قدراته البيولوجيّة مع أدنى درجات الحياة على هذا الكوكب، وفق خاصيّة الانتخاب الطبيعي.
    ثانيًا، اجتماعيًا، إنّها حياة المعاق الخاصّة ولاشكّ، ومن سينجبوهم هم أبناؤهم، وليسوا أبنائي في شئ. فهي حرّيّة المعاق، مع ذويه، أولًا وأخيرًا إن كنّا في دولة رأسماليّة حرّة. و لهذا وضّحت مرارًا وتكرارًا أنّ دولة تنخفض فيها الضرائب لما يوازي مصروفات الوزارات الأساسيّة لقيام الدولة، الدفاع، والأمن الداخليّ، والماليّة والعدل، هي دولة رأسماليّة حرّة تسمح لكلّ فرد فيها بالحرّيّة الفرديّة، وبالمسؤليّة الكاملة. و احتماليّة توريث عاهات للأجيال الجديدة هي خير مثال على ذلك، فالمريض له ما للسليم، ففي الدولة الرأسماليّة، لا لأحد سلطة على أحد، ولا أحد يتدخّل في اختيارات فرد آخر أو تفاقم حالته أو حالة ذرّيّته.
    ثالثًا، اقتصاديًا، أتحدّث أنا الآن عن الفرد البالغ العاقل، و ليس طفلًا أو متخلّفًا عقليًّا؛ إن كنّا في دولة رأسماليّة حرّة تساوي بين كلّ الأفراد البالغين العاقلين، كما وضّحت في النقطة السّابقة، دولة تنخفض فيها الضرائب و لا تشمل إلّا الحقائب الوزاريّة المشار إليها مسبقًا، فلهؤلاء المعاقين، كونهم أفراد مساوين تمامًا للكاملين تحت مظلّة القانون، الحرّيّة الكاملة في اتّخاذ قرارهم بالانجاب أو لا، بمساعدة ذويهم. أمّا في حالة دولة شمولية، أو اشتراكيّة، أو حارسة، أو أبويّة، حيث تذهب فيها الضرائب للتعليم و الصحّة و المسارح و الملاهي الليليّة الحكوميّة، فسأرفض قطعًا أن ينجب هؤلاء؛ لأنّ في حالة إنجابهم سأدفع من مالي الخاصّ لمساعدة إعاقة أولادهم من خلال ما يسمّى بالوعاء الضريبيّ، وحرّيّتهم في هذه الحالة أتكفّل و المموّلين معي بها، وهي لا تعدو، في هذه الحالة، سوى نهب لأموال المقتدرين برعاية الحكومة، و إعطائها للكسالى والفقراء والمعاقين بحجج التكافل الإجتماعي (ثني السبّابة و الوسطى ليدي اليمنى و اليسرى معًا.)

    2 – تسألني إحداهن، دكتور! إلحقني؟!
    - حد قاللك إن أنا دكتور بيطري؟!

    3 – تسألني إحداهن، انت مبلبع حاجة؟!
    - أنا كده طبيعي!

    4 – يسألني أحدهم، أنا من حارة اليهود؟!
    - و أنا من الحارة اللي جنب منّك علطول: حارة الكفرة!

    5  - يسألني أحدهم، انت مسلم و لّا مسيحيّ؟!
    - يعني دين أمّك مينفعش من ملايين الديانات حول العالم إلًا الاتنين دول بس؟! أنا زيداميراني متطرّف!

    6 – يسألني أحدهم، كلّ العظماء على مدار التاريخ كانوا مؤمنين بالله؟!
    - هذه حقيقة مؤكّدة و مثبتة، و الدليل العلميّ البحت على ذلك هو أنت شخصيًا!

    7 – يسألني أحدهم، مصر مازالت بخير، ومازال فيها أفراد تفكّر وتحلّل، وليسوا جميعًا لُحى وجلابيب وملايات ونقابات ونفايات، مازال هناك أفراد، مثلك، لا تسرح وسط القطيع؛ لأنها بتفكّر بفكر القائد؟!
    - أنا لا أبحث عن مؤمنين، و لكنّي أبحث عن مبدعين و خالقين أنداد.

    * حيوانات سابقة:
    - الجزء الخمسون.
    - الجزء التاسع والأربعون.
    - الجزء الثامن والأربعون.

    الحرب المقدّسة باسم الدين لحمايته من العلمالحرب المقدّسة باسم الدين لحمايته من العلم

                                  استطلاع رأي لمعهد جالوب حول المؤمنين بنظريّة التطوّر من بين مصلّي الكنيسة

         * كما فعلتْ قبلذاك مع جاليليو في القّرن السابع عشر، وأجبرته على تغيير أقواله العلميّة "لعدم ملائمتها وحقائق الكتاب المقدّس" على حدّ تعبير الكنيسة، حورب أيضًا، وبشراسة كبيرة، تشارلز داروين، أحد أعظم العلماء في تاريخ البشريّة وأعظم عالم في القّرن التاسع عشر بلا مواربة، باسم الّدين مرارًا وتكرارًا، منذ كتابه في أصل الأنواع، والمنشور عام 1859، ونظريّته الانتخاب الطبيعيّ.
    وإذ بعد مرور مائتي عامًا من مولد داروين، ومائة وخمسين عامًا على كتابه الفذّ الذي غيّر مجرى التاريخ العلميّ وما تلاه من نظريّات أخلاقيّة واقتصاديّة واجتماعيّة، ومائة ستّ وعشرين عامًا من رحيله، وبعد سلسلة الحروب الظاهرة والباطنة التي خاضتها الكنيسة في محاولاتها المضنيّة للحفاظ على ما تبقّى من ماء الوجه. صورة الكنيسة، الممثّلة للدين، والتي انهارت كثيرًا في آوربا والعالم المتقدّم لصالح العلم، حيث أعلنت الكنيسة الإنجليزيّة في آواخر العام المنصرم اعتذارًا رسميًا لتشارلز داروين، تؤكّد فيه صحّة النظريّة، وخطأها طوال هذه السّنين!
    اقرأ هنا عشر حقائق عن تشارلز داروين!
    شاهد هذا الفيديو عن الخلق في الأديان الرئيسيّة الثلاثة!

         كلّ عام وجميع الحيوانات، الأحياء منهم ومنهن والأموات بخير، أكملت حظيرة حيوانات أيامنا عامها الثاني بالتمام والكمال منذ ثلاثة أيام. احتفل معنا بإعادة قراءة الجزء الأوّل هنا، والذي يرجع تاريخه للثاني والعشرين من يونيو/حزيران من عام 2007.

                                                                                    أحمد زيدان

    6/9/2009

    SSS: سندس الساعة ستة

                           
       
     

    الفيلم: SSS: سندس الساعة ستة.

    مدّة العرض: 10:45 دقيقة.

    اللغة: العربية.

    فريق العمل: أحمد زيدان، يوسف حلمي، هيدي أيمن، ومصطفى حلبي.

    فكرة وإخراج: أحمد زيدان ويوسف حلمي.

    الكاميرا المستخدمة: سوني هاندي-كام.
    Sony DCR-HC51E Mini DV Handycam with X40 Zoom

    تاريخ العرض الأوّل: 26 فبراير 2009.

    المكان: الجمعية العلميّة الطّلابيّة (SSS) بكليّة طب قصر العينيّ، وهي جمعيّة علميّة غير ربحيّة غير سياسيّة غير دينيّة، والعمل بها تطوعيّ، تهدف لتحسين مستوى الأطباء الخريجين، ربط طلبة الطّبّ حول العالم، ونشر الوعي الصحيّ لدى طلبة الطّبّ والمجتمع المحيط، وهي تابعة للاتّحاد العالميّ للجمعيات الطّلابيّة الطّبّيّة (IFMSA).

    المسابقة: مسابقة أفلام الجمعية العلميّة الطّلابيّة (SSS) لعام 2009، وهي مسابقة تقوم بها الجمعيّة لأوّل مرّة، حيث تسابقت أربعة أفلام قصيرة بأفكار وجهود ذاتيّة من داخل الجمعيّة.

    الجوائز: المركز الأوّل في المسابقة بحاصل أصوات 13 من 19 صوت.

    تعرف إيه عن الإس.إس.إس؟!


    *وصلات ذات صلة:

    - الموقع الرّسميّ لكليّة طب قصر العينيّ.
    - الموقع الرّسمي للجمعيّة العلميّة الطّلابيّة (SSS).
    - المدوّنة الرّسمية للجمعيّة العلميّة الطّلابيّة (SSS)، حيث أقوم أنا بإدارتها.
    - الموقع الرّسميّ للاتّحاد العالميّ للجمعيات الطّلابيّة الطّبّيّة (IFMSA).

                                                                                                     أحمد زيدان

    5/27/2009

    حيوانات أيامنا 50

         ما أكثرهم! ما أكثر حيوانات أيامنا! كلّ يوم أقابل حيوانات جديدة، أعرف أدمغةً جديدةً، أشكّل أفكارًا جديدةً، أسطّر أحرفًا جديدةً، وأخلط ألوانًا جديدةً. هذا المخّ الحيوانيّ الذى أحويه امتلأ عن آخره، فقرّر التخلّص من كلّ شئ بطريقة أكثر حيوانيّةً وأمانًا، فجاء إلى هنا ونثر بالمدوّنة أصباغًا و أحبارًا، كلامًا من الماضي، وتساؤلات عن المستقبل.
    عفوًا، فلأوّل مرة سأتنازل عن الفصحى بعض الشئ؛ لأنّ التعبيرات الحيوانيّة لا تخلو من العاميّة، ولا شكّ.
    من يريد طرح أيّة أسئلة، فليتفضّل بمراسلة بريد الحيوانات الإلكترونيّ:
    hayawanat_ayamna@hotmail.com
    و سوف أحتفظ بخصوصيّة الراسل، من أيّ جنس حيوانيّ كان، وأردّ على الأسئلة تباعًا فى الأجزاء المتتالية من "حيوانات أيامنا."

    1 – تسألني إحداهن، ما هو مفهومك لللبونيّة؟!
    - اللبونيّة
    “Labwanism” هو مذهب كونُك، أو عزمُك أن تكوني، أو فنّ تعاملك مع، أو تعافيك من كونِك لبوة.

    2 – يسألني أحدهم، ما هو مفهومك للأحّة؟!
    - أداة اعتراض غرضها الاستنكار.

    3 – تسألني إحداهن، ما هو مفهومك للمزّة؟!
    - المبشّرة كحْور عيِن.

    4 – تسألني إحداهن، ماذا ترى في قادم السنين؟!
    - إبداع حتى النخاع! (مع ثبات عنصر السلام النفسيّ.)

    5 – تسألني إحداهن، أعتقد أنّ آخر قصيدة لك لطيفة ويوتوبيّة، بالرغم من أنّي لست من المولعين بكتاباتك بشكل عام، ولكنّها، وعلى غير العادة، أثّرت في، فعادة لا تجتمع لكتباتك كلّ هذه المشاعر الجيّاشة. قد تكون مغرورًا كفاية، وهذا ما أظنّه جليًّا، لتعتقد أنّي جانبت الصواب في هذا، ولكنّه رأيي على كلّ حال؟!
    - يجب إدراج العقل كعنصر وسيط بين تلقّيكِ وشعورك بالنصوص حتى يوزّع الإشارت كما أردت، فتصل كلماتي لمراكزها السّليمة.

    6 – يسألني أحدهم، حلوة نهاية جون لينون، كويس إنّك مقلّعتوش ولعبتله في بزازه حبّتين؟!
    - ماليش في الرجالّة، و لا مؤاخذة... معلش أحبطّك أنا عارف!

    7 – تسألني إحداهن، هل أوّل واحدة نمت معها عن حبّ؟!
    - لأ عن عطّ!

    * حيوانات سابقة:
    -
    الجزء التاسع والأربعون.
    -
    الجزء الثامن والأربعون.
    - الجزء السابع والأربعون.

    المفتّش كرومبو 

    طلّع 10 اختلافات بين الصورتين

         * بعيدًا عن كون مسابقات (0900) وما شابهها محرّمة إسلاميًّا بحسب فحوى الفتوى الجليلة هنا وهنا، فإنّ بها ضرب من ضروب الهطل الرّسمي، لأنّ الأسئلة والجوائز والفائزين أنفسهم كلّهم فشنك، أي أنّها حرام دينًا ودنيا، إلّا أنّنا لا ننكر صفة الإبداع الجامد جدًا عن حلقات المفتّش كرومبو، فبالإضافة لكونها مبتكرة وإبداعيّة، فهي قد حققت نجاحًا ساحقًا، وبالرغم من كلّ هذا فإنّ حصيلة الاتّصالات لا تتعدّى العشرة آلاف جنيهًا، رغم أنّ تصويرها وتكلفة الجوائز التى يتمّ توزيعها على الجمهور تصل إلى 50 ألف جنيه، بحسب ما صرّح به أحمد مهدى نائب رئيس مجلس إدارة قناة بانوراما دراما، والذي تُنظر دعواه القضائيّة التي رفعها ضد هيثم حمدي مصمّم الحلقات الأصليّ، والذي يدّعي فيها مهدي بأنّ هيثم سرق منه الفكرة وعرضها على شبكة قنوات ميلودي، وقد تمّ تحديد يوم 29 مايو/أيار الجاري كأوّل جلسة للنظر في القضيّة. في الحين ذاته، ينفي هيثم مجدي ادّعاء أحمد مهدي، ويؤكّد أنّه سجّلها فى الشهر العقارى صوتًا وصورةً فى شهر سبتمبر. كلاهما سجّلها في الشهر العقاريّ، وكلاهما يجهّز لمسلسل كرتونيّ يحمل نفس الاسم لعرضه في رمضان المقبل، ولكن الكوميديّ في الموضوع أن حجّة أحمد مهدي، على أنّه صاحب فكرة المفتّش كرومبو، هي أنّه أطلق هذا الاسم على بعض شخصيّات عائلته من قبيل المداعبة منذ زمن طويل، بينما حجّة هيثم مجدي الجهنميّة هي أنّه سجّلها قبل مهدي، والعبرة بأسبقية التسجيل، على حسب تعبيره! الآن أصبح لدينا 2 كرمبو، واحد مزيّف والثاني حقيقيّ. إقرأ تفاصيل النزاع القضائي على الحقوق الملكيّة الفكريّة لشخصيّة المفتّش كرومبو، مثيرة الجدل، هنا!

         لا يصحّ أن نذكر الهطل والهبل والهسّ والخبل بغير أن نذكر، من قبيل المثال لا الحصر، قنوات مثل ميلودي تريكس وسترايك. خالد حمزاوي هو مذيع وبرنس في نفس الوقت على ميلودي تريكس، وهو أحد أعمدة هذه القناة العريقة، وأرجو ممّن لم يسعفه وقته أن يتابعه بأن يتأمّل هذه الشخصيّة الفريدة من نوعها، مع حظر مشاهدته على الشباب المقبل على الزواج أو السيّدات الحوامل. المشكلة ليست في خفّة دمه المعهودة فقط، فكلّ مذيعين ميلودي تريكس يشتركون في نفس الخفّة تقريبًا مع اختلاف السّينس. الجدير بلذكر أنّ معجبي ومحبّي المذيع المتألّق كالعادة وكلّ عادة خالد حمزاوي، وهم ما يطلقون على أنفسهم بـالعيلة الحمزاويّة، يناهزون الخمسة آلاف شاب وفتاة، وهم حقيقة فتية جديرون بدراسة سيكولوجيّة عميقة. لو تحبّ تعرف أكثر عن عالم خالد حمزاوي المثير إضغط هنا، ولو تفضّل تشات مع حمزاوي الجامد قوي مباشرةً إضغط هنا، ولو تحبّ تتعرّف على كلّ الحمزاويّة إضغط هنا، ولو تحبّ تتابع آخر أخبار مؤسس وقائد آوركسترا العيلة الحمزاوية إضغط هنا بسرعة جدًا، أمّا الجروب ده بقى للحمزاويّة الجامدين وبس! ولو تحبّ تشترك على منتدى خالد حمزاوي الرسمي إضغط هنا بسرعة جدًا، ولو تحبِّ تتجوّزِ خالد حمزاوي، للجادّات فقط، إضغطِ هنا بسرعة موت، ولو تحبّ أو تحبِّ بعد كل ده تشخروا، اتفضلوا اشخروا هنا!

         أتذكّر أوّل مسابقة فريدة من نوعها استخدمت الرقم (0900) لانتشال الحالمين بالعربية والشقّة والعروسة، أثناء عرض مسلسل آواني الورد على التلفزيون المصريّ في شهر رمضان من أكثر من ثماني سنين، وكان فحوى السؤال آنذاك أن تتوقّع نهاية المسلسل لتكسب قدر معلوم من المال، المسابقات التي تطوّرت حتى يومنا هذا، على مدار تسع سنين، لأسئلة من عيّنات، من هو مدرّب المنتخب الوطنيّ؟! ومن هو رئيس مصر الأوّل؟!
    تنويه بسيط، أنا لا أطلب رقابة من التلفزيون على مثل هذه المسابقات، فأنا ضد أيّ شكل من أشكال الرقابة، ولا أطلب إلغائها، فأنا مع حرّيّة رأس المال، ولا أطلب أن يكفّ شباب خالد حمزاوي عن متابعته، همّ أحرار، ولكنّي أرصد مدى التدهور الثقافيّ، وعدم الشفافيّة الإعلاميّة والتجاريّة التي وصلنا إليها، وأنوّه إلى أن التزام هذه المسابقات ببعض الشفافيّة سيجعل هذه القنوات تربح ضعف ما تربحه حاليًا من إرادات خياليّة. حقيقي مصر بتتقدّم بينا!

         أهنّئ السادة والسيّدات الحيوانات منهم والأموات، فاليوم قد وصلنا للجزء الخمسين من حيوانات أيامنا، اليوبيل الذهبيّ لحظيرة حيوانات أيامنا العريقة!

                                                                                                                                      أحمد زيدان

    5/8/2009

    حيوانات أيامنا 49

         ما أكثرهم! ما أكثر حيوانات أيامنا! كلّ يوم أقابل حيوانات جديدة، أعرف أدمغةً جديدةً، أشكّل أفكارًا جديدةً، أسطّر أحرفًا جديدةً، و أخلط ألوانًا جديدةً. هذا المخّ الحيوانيّ الذى أحويه امتلأ عن آخره، فقرّر التخلّص من كلّ شئ بطريقة أكثر حيوانيّةً و أمانًا. فجاء إلى هنا و ملأ المدونة أصباغًا و أحبارًا، كلامًا من الماضي، و أسئلةً عن المستقبل.
    عفوًا، لأوّل مرة سأتنازل عن الفصحى بعض الشئ، لأنّ التعبيرات الحيوانيّة لا تخلو من العاميّة، و لا شكّ.
    من يريد طرح أيّة أسئلة، فليتفضل بمراسلة بريد الحيوانات الإلكترونيّ
    :
    hayawanat_ayamna@hotmail.com
    و سأحتفظ بخصوصيّة الراسل، من أيّ جنس حيوانيّ كان. و سوف أردّ على الأسئلة تباعًا فى الأجزاء المتتالية من "حيوانات أيامنا."
     

    1 – تسألني إحداهن، لقد حرّم الله الخنازير لهذا السبب بالذات، فهي ليست فقط كائنات قذرة، بل و تنقل انفلونزا قاتلة أيضًا؟!
    - مش الخنازير هي اللّي قذرة...

    2 – يسألني أحدهم، بما أنّك دكتور، هل الشخرة تنقل أو تساعد على نقل انفلونزا الخنازير؟!
    - هو على حسب نيّة الشّاخر!

    3 – تسألني إحداهن، ماذا تشبه عودة ابن "درانك" لدى أسرة مصريّة تقليديّة؟!
    - تشبه تمامًا عودة الإبن الضال!

    4 – يسألني أحدهم، أنا مش فاهم ليه الناس متفقه أنّ نظام التعليم بايظ و مع ذلك لسه بيعترفوا بالتقدير و الشهادات؟!
    - أكل العيش يا نجم!

    5 - يسألني أحدهم، أولم تكفر؟!
    بَلَى وَلَـكِن لِّيَطْمَئِنَّ قَلْبِي.

    6 – تسألني إحداهن، أكتر حاجة لفتت انتباهي و انت في البيت بيتك إن رجليك كانت مفتوحة؟!
    - ده إيه اللبونة ديه عالمسا بقى؟!

    7 – تسألني إحداهن، هل أنت تؤمن بالرأسمالي أم الرقص بمالي؟!
    - كلّ فيه خير!
     
    * حيوانات سابقة:
     
                                                        !Communiesta
     
    * الصورة من تصميم المصممة و المصوّرة الفوتوغرافيّة الواعدة جلوري روز.
     
                                                                                                                     أحمد زيدان
    5/3/2009

    أحمد زيدان في البيت بيتك

         إنّها ليست المرّة الأولى، فقد اُخترت كثيرًا قبلذاك، أثناء مرحلة الطفولة، في برنامج مسابقات اسمه نوابغ الطلبة على قنوات النيل التعليميّة، و ظهرت أيضًا في برنامج مسابقات آخر على القناة الثانية المصريّة.

         ثمّ منذ خمس سنين تقريبًا، كنت ضبقًا مرّتين على برنامج “Top 20” مع هبة مندور على قناة دريم الفضائيّة في بدايات شبكة دريم.تي.في.

         و من ثلاثة أشهر كنت ضيفًا، ضمن آخرين، على برنامج البيوت أسرار مع سهير جودة على شبكة الإيه.آر.تي. حول موضوع الحرّيّة بين الآباء و الأبناء، و لكن تظلّ هذه المرّة هي الأقوى ليست لكونها في شهر إبريل فقط، و لكن أيضًا لأنّها بُثّت على الهواء مباشرةً من خلال القناة الثانيّة الأرضيّة و القناة الفضائيّة المصريّة على السواء، و من خلالها قدّمت نظرة عامة عن أفكاري و معتقداتي لعدد ضخم من المشاهدين يتجاوز عدّة ملايين في مصر و خارجها من خلال برنامج البيت بيتك، و الذي يحظى بأعلى نسبة مشاهدة من بين برامج التلفزيون الأرضيّة المختلفة و القناة الفضائيّة المصريّة، حيث يذاع على ليلًا الهواء مباشرةً، و يعاد في اليوم التالي صباحًا.

         موضوع الحلقة كان حوار الأجيال بين الآباء و الأبناء، و كان ضمن حلقة أسبوعيّة خاصّة يقدّمها خيري رمضان تسمّى نُص الحكاية، حيث كنت أمثّل أنا و فتاة مصريّة أخرى، و على مدار خمس و ثلاثين دقيقة، نُص حكاية الحوار المستمرّ و الدائم بين الآباء و الأبناء.

    لمشاهدة الجزء الأوّل:

                
     
    :لمشاهدة الجزء الثاني
     
                
     
                                                                                                                              أحمد زيدان
    4/25/2009

    حيوانات أيامنا 48

         ما أكثرهم! ما أكثر حيوانات أيامنا! كلّ يوم أقابل حيوانات جديدة، أعرف أدمغةً جديدةً، أشكّل أفكارًا جديدةً، أسطّر أحرفًا جديدةً، و أخلط ألوانًا جديدةً. هذا المخّ الحيوانيّ الذى أحويه امتلأ عن آخره، فقرّر التخلّص من كلّ شئ بطريقة أكثر حيوانيّةً و أمانًا. فجاء إلى هنا و ملأ المدونة أصباغًا و أحبارًا، كلامًا من الماضي، و أسئلةً عن المستقبل.
    عفوًا، لأوّل مرة سأتنازل عن الفصحى بعض الشئ، لأنّ التعبيرات الحيوانيّة لا تخلو من العاميّة، و لا شكّ.
    من يريد طرح أيّة أسئلة، فليتفضل بمراسلة بريد الحيوانات الإلكترونيّ
    :
    hayawanat_ayamna@hotmail.com
    و سأحتفظ بخصوصيّة الراسل، من أيّ جنس حيوانيّ كان. و سوف أردّ على الأسئلة تباعًا فى الأجزاء المتتالية من "حيوانات أيامنا."
     

    1 – يسألني أحدهم، ما هو تحليلك لإمام يعظ الناس بحرمانيّة التدخين نهارًا و يدخّن الحشيش بعد العشاء؟!
    - غياب وازع التناغم قد يودي لمشاكل نفسيّة أكثر فظاعة من ذلك بكثير، فوازع التناغم هو الذي يحفظ الإتّزان النفسيّ للإنسان، و يجعله يوازي بين أقواله و أفعاله، أو بين أفعاله و أفعاله، أو بين أقواله و أقواله. و قد يتواجد هذا الوازع المكتسب أو المتوارث عند أفراد بينما لا يتواجد عند آخرين، تبعًا لتطوّر الفرد العقليّ، و الأفراد الأقوى هي دائمًا ما تكون متوازنة نفسيًّا بعكس الضعفاء. و من هنا، فإنّ الوازع الذي يجعل المؤمن يتّبع كلّ ما يمليه عليه دين أو قائد بعينه، هو نفس الوازع الذي يجعل الملحد يتّبع ما يمليه عليه عقله تمامًا. فأيّ منظومة فكريّة، و إن اختلفت جوهريًا بنسبيّة بحتة بين شخص و آخر، لا يضفي عليها العقلانيّة و الإتّزان إلّا هذا الوازع: وازع التناغم.

    2 – يسألني أحدهم، أوراك أم صدور؟!
    - فرخة ساديا كاملة!

    3 – تسألني إحداهن، ألفاظك خارجة من رحم المشرحة لتوّها؟!
    - أوقات يكون التعرّي أنقى ألف مرّة من الملابس الأنيقة
    .

    4 – يسألني أحدهم، ما هي الأفكار و الخواطر التي كانت تختلجك أثناء محاضرات المشرحة العمليّة؟
    - تجارة الأعضاء.

    5 – يسألني أحدهم، ماذا فكّرت حول أسماء أبنائك؟!
    - فرانكلين و نيرفانا.

    6 – تسألني إحداهن، منذ فترة و أنا أفكّر في كيفيّة و ماهيّة و احتماليّة وجودك؟!
    - نسبيّة بحتة... فأنا لا أكاد أكون موجودًا من الأصل!

    7 – تسألني إحداهن، أرنبان بعينين عسليّتين يرنوان إليك؟!
    - و هكذا ترنو إليهما جزرتي أيضًا!

    * حيوانات سابقة:
    - الجزء السابع و الأربعون
    - الجزء السادس و الأربعون
    - الجزء الخامس و الأربعون

                                 !?What If Your Penis Were a Carrot*

    آه! كم يسعدني أن أرى هؤلاء الصبية عرايا**،
    أطرافهم الحسنة التكوين، و جلدهم اللامع الأملس المشوب بالحمرة،
    كلّ حركاتهم تمتلئ بالرشاقة و الصّحة،
    يجرون يتسابقون يتصايحون يقفزون،
    أو يستحمّون و يغوصون في مياه الجدول السريعة،
    لكم أشفق على الصبية الإنجليز، أطرافهم النشطة
    قد خنقتها و قيّدتها الملابس الضيقة،
    و لكنّي أشفق أكثر على الفتيات الإنجليزيّات،
    و قد قيّدت خصورهنّ و صدورهنّ و أثداءهنّ، كلّها،
    آلة التعذيب الوحشيّة المسمّاه "المشدّ.***"

    ** الترجمة بتصرّف.
    *** ارتقاء الإنسان، بروفيسور جاكوب برونوفسكي، ص.83، ترجمة دكتور أحمد مستجير
    ، 2001؛ طبعة مكتبة الأسرة.

    النظم من تأليف لألفريد رَسل والاس عام 1851، بعد أن مكث في قرية جافيتا ليراقب حياة الهنود الحمر البسيطة في أثناء سنين دراسته لأجناس الهنود الحمر قريبًا من نهر الأمازون. والاس هو العالم البيولوجيّ و الجغرافيّ البريطاني، و الذي عمل في نظريّة الإنتخاب الطبيعي في نفس وقت دارون تقريبًا، و لكن بمنأى عن دارون نفسه.
    و النظم تعدّ تبجيلًا للهنود الحمر و لحياتهم الطبيعية البسيطة بعيدًا عن العادات الإنجليزية الصارمة وقتذاك، و الذي أشفق فيها والاس على الفتيات الإنجليزيّات بسبب تضييقهنّ الخناق على أنفسهنّ بهذا المشدّ!

    * الصورة للفاتنة الأمريكيّة كيم كارداشيان ذات التاسعة و العشرين ربيعًا، من أبّ أرمينيّ و أمّ اسكتلنديّة هولنديّة، و الصورة من مدوّنة صفراء للثرثرة و الفضائح.

                                                                                                               أحمد زيدان

    4/16/2009

    في الفكر البرجوازيّ 2

         النفس هي مركز الفرد، و الفرد هو أقلّ أقليّة موجودة في شرائح المجتمع، و إذا كان الفرد موجود بذاته الموضوعيّة، فالمحتمع و الدولة و الدين غير موجودين.
    الإختلاف النسبيّ بين الأفراد يبرز في بصمة كلّ فرد ماديًّا كبصمات الأصابع، و الشفاه، و القزحيّة، و الصوت، و الشكل... إلخ، أمّا البصمة المعنويّة فهي تكمن في إبداع الإنسان، فإذا لم يكتشف إديسون المصباح الكهربيّ لكان اكتشفه آخر حتمًا، و لكن ما كان أحدًا غير موتسارت ليعزف السمفونيّة الخامسة و العشرين.
    إذن فالتفرّد ليس إلّا تحرر النفس من كلّ ذوات الآخرين إلّا ذاته. و الإبداع، كعمليّة إنتاجيّة للهوس، ليست عصيّة على المتحررين من العصبيات، بل هي من الأمور البديهيّة بمكان بحيث لا يصف المبدع إبداعه بالصعوبة أو السهولة، بل لا يصفه على الإطلاق؛ لأنّ المبدع لا يحتاج لفهم أو ثناء العالم على منتوجه. إنّ الإبداع عمليّة فرديّة بحتة لا يرقى لها إلّا المتحرر الكامل، و هي تعلو مدرّج ماسلو للحاجات، حيث رفعها إبراهام ماسلو، عالم النفس الأمريكيّ، لقمّة هرمه المدرّج الشهير، و عنونها تحت "حاجات لتحقيق الذات." الهرم المنظّم تمامًا بحيث يجمع أكبر عدد من الكائنات على قاعدته الضخمة، العدد الذي يقلّ تدريجيًّا كلّما اقتربنا من قمّة الهرم، حتى يصل لحاجات تحقيق الذات، و التي ليست تقتصر فقط على الإنسان المرتقي أعلى درجات التطوّر البيولوجيّ، و لكنّها تنتقي بدرجة أكثر تفصيلًا، عندما تقتصر على الإنسان الأعلى Übermensch، المرتقي لأعلى و أمثل و أجود درجات التطوّر الحضاريّة الحاليّة.
    حاجات تحقيق الذات Self-Actualisation عبّر عنها أيضًا كورت جولدستين، عالم و طبيب النفس الألماني، في كتابه الكائن بوصفها الدافع الأوحد التي يُعزى لها دفع الكائن للحدّ الأقصى لطاقاته و قدراته، و كتب عنها أيضًا عالم النفس الأمريكيّ كارل روجرز، و بطريقة أخرى اقترب منها فيلسوف الوجوديّة الأعظم فريدريش نيتشه بمفهومه الشهير "المشيئة للقوّة" der Wille zur Macht.

                                        مدرّج ماسلو للحاجات ترتّب بحيث تطوّر الكائنات بيولوجيًّا و حضاريًّا

         كونك فردًا لا تنتمي إلّا لنفسك يعدّ قمّة الموضوعيّة و لا شكّ، أمّا كونك تنتمي لسلالة الثدييات أو جنس البشريّة على سبيل المثال يعد الأقلّ موضوعيّة على الإطلاق، بل و الأقلّ أهميّة أيضًا، و في التوضيح أدناه نوضّح ترتيب أولويات الهُويّة من وجهة نظر برجوازيّة، أعتقدها موضوعيّة لحدّ كبير؛ فالفرد هو الدائرة الواحدة الكاملة حول ذاته، و هي الدائرة الأقرب و الأكثر موضوعيّة و الأعظم أهميّة على الإطلاق، و ما عداها من دوائر فهي غير مكتملة للهويّة، قد يرتّبها فرد بطريقة أخرى حسب أولويّاته، و لكننا سنظلّ متّفقين لحدّ كبير بأنّ النفس هي المركز الموضوعيّ الكامل، و كلّ ما عداها أقلّ موضوعيّة و ناقص في الوقت ذاته، فالعلاقة التي تدوم خلال حياة الفرد جميعًا هي علاقته مع النفس، أمّا مدى قربه أو بعده من أيّة من الهويّات الموضّحة أدناه، أو حتى تفضيله لبعض منها على الآخر، أو حتى إلغائه لبعض الخانات للأبد و التخلّي عن عصبيّاتها هي كلّها أمور نسبيّة بحتة، و ما نحن بصدده الآن ليست أزمة هويّة بقدر ما هي تعريفًا جديدًا للفرد.

    Longitudinal Waves of Self Resonance

         نستخلص مما مضى أنّ بإمكان أيّ فرد أن يتخلّص من عصبيات الهويّة واحدة تلو الأخرى حتى يكتمل بنفسه و يتحرر تمامًا من تبعات أيّ عصبيّات بإرادته الحرّة، و لا يعود في حاجة نفسيّة لبقيّة العلائق، بل فقط يتعاون مع الأفراد الأخرى على أساس التعاون من خلال التبادل الإراديّ الحرّ “Cooperation through voluntary exchange”، و الذي ألقينا عليه الضوء قبلذاك في سلسلة الحرّيّات الفرديّة.
    على اعتبار أنّ الموقفين الأكثر تطرّفًا هما: أولًا، الانتماء للنفس فقط و عدم الإعتماد على أيّ فرد آخر سيكولوجيًا، كما ذكرنا مسبقًا، و هذه هي أقصى مراحل الفوضويّة أو حكم النفس ”Self-Governance
    ، و ثانيًا، الانتماء لكلّ ما سبق ذكره، و الاعتماد السيكولوجي التامّ عليهم جميعًا مع العصبيّة الشديدة لكلّ منهم، و ليكن المثالان الأكثر تطرّفًا هما أمثلة وهميّة كخطوط إقليديّة لا تُبلغ عمليًّا، فإنّ ما يقع بينهما بالتأكيد هي عدد لا نهائيّ من النقاط يمثّلون أفرادًا يؤمنون بالنفس بدرجات متفاوتة من أقصى الموضوعيّة لأقصى اللاموضوعيّة، على اعتبار أنّ النفس هي العامل المشترك لكلّ فرد، فبالتالي سيكون المثال حسب أولويّة القرب أو البعد عن المركز.

         أنّ كلّ فرد عليه التحرر من كلّ العصبيات واحدة تلو أخرى ليكون نفسه فقط، و عليه فإنّ الأفراد المؤمنين بذواتهم تقلّ درجات اهتمامهم بالآخرين، و بالتالي تزيد موضوعيّتهم و إنتاجيتهم، فيلتحقون بتطوّر أعلى.
    الصورة الأكثر زهوًا، حسب ما أعتقد، هي حرّيّة التبادل التجاريّ العالميّ
    “Global Free Trade” بين الأفراد على مستوى العالم بلا أدنى قيود أو تنظيمات، إنّ هذا التطبيق العولميّ الضخم Globalisation الذي نعيش في رحابه الآن، و الذي يحوّل المجتمعات و المناطق الصغيرة لمجتمعات و مناطق منتجة و متبادلة مع المجتمعات الأخرى، و بالتالي مدرجة عالميًّا. إنّ العولمة، و التي هي النتيجة الحتميّة للرأسماليّة و تراكم الثروات، مسؤلة بشكل كامل عمّا تحياه البشريّة الآن من تسارع عالميّ للتقنيّات الحديثة و وسائل الاتّصال عالية الجودة، و إذا كانت كلّ البشريّة تقفز نفس معدل الوثبات بفضل العولمة، فإنّهم لم يكونوا متساويين على خطّ البداية، منذ فتح الأسواق العالميّة، و كانت، و لا تزال، هناك أعراق و أمم متفوّقة بيولوجيًا و حضاريًا على أعراق و أمم أخرى، و إذا كان هناك سببًا لتأخّر أعراق و أمم بعينها عن أخرى على السلّم البيولوجيّ و الحضاريّ غير الانتخاب الطبيعيّ، فهو بالتأكيد سيكون نتيجة نقص التبادل التجاريّ الحرّ في العالم القديم، إمّا نتيجة قلّة وسائل النقل الحديثة، أو بسبب تأخّر تطوّر الإنسان الحضاريّ في الماضي، مما نتج عنه نقص إدراكه أنّ طريق المجد لكلّ فرد هو عالميّة التبادل التجاريّ الحرّ بلا حظر و لا قيد و لا شرط و لا تنظيم.
    و حقًا إن كنّا لم نرتقِ بعد لحرّيّة التبادل العالميّة المنشودة، فالعالم مازال يخطو الدرب، فيقترب الإنسان رويدًا رويدًا مما يصبو إليه كلّ فرد حرّ في العالم.
    كتبنا قبلذاك عن مدى فداحة الضرر الاقتصاديّ الناجم عندما تمارس الحكومات سياسات تمييزيّة على نطاق واسع بين الأفراد، و هكذا فإنّ أيّة ضرائب على المواطنين أو رسوم على المنتجات الأجنبيّة أو حماية المنتجات المحليّة كلّها طرق فاقدة للنظر الموضوعيّ على الأمور، بل و قصيرة المدى 
    “Short-sighted” لإنعاش الاقتصاد المحليّ، و الذي ستنشأ فيه الأسواق السوداء لا محالة، بل و كلّها حلول قوميّة خاوية التفكير و رخيصة المنطق، و الاقتصاد الحرّ عمّا قريب في سبيله لإرساء كلمته عن طريق قوّة السوق، و محيه لكلّ خرافات العصبيّات، و أوّلهم على الإطلاق العدو اللدود للإقتصاد الحرّ، ألا و هي القوميّة.
    أمّا التميير الفرديّ في الإقتصاد، و هو تجنّب الفرد نفسه من التعامل مع آخرين بسبب هويّتهم، فقد يكون معقولًا و مقبولًا بشطل كبير، إن كان السوق حرًّا من أيّة قيود تعوق التبادل الحرّ من عدمه. و من هنا كان ترتيب الأولويّات في حالة التبادل الاقتصاديّ الحرّ بين الأفراد، و المشار إليها في التوضيح أعلاه، فمثلًا قد يميّز الفرد لصالح شريكته أو أخوه أو أيّ فرد في نطاق أسرته، ثمّ قد يميّز على نطاق أوسع لفرد آخر من طبقته الماديّة أو الاجتماعيّة، ثمّ على نطاق أوسع لعرقه، و من ثمّ على نطاق أوسع لأشخاص يعتقدون فيما يعتقد فيه من فكر فلسفيّ، أو توجّه سياسيّ، أو دين، أو حتى مشجعي لفريق الكرة المفضّل لديه و الذين قد يجتمعون كلّهم تحت مسمّى العقيدة
    “Belief.”
    و حقًّا إذا كانت أعتى و أقصى مراحل الزهو و الاعتزاز بالنفس
    “Egocentrism” تكمن في انتماء الفرد لذاته فقط، فإنّ هناك تابعَين لهذه النظريّة، أوّلهم تحدّثنا عنه قبلذاك، و هو تمييز الفرد في معاملاته الاقتصاديّة لصالح الأفراد الموجودين في الدوائر الأقرب له، حسب أولويات هويّة كلّ فرد، و ثانيهم، أنّ الاعتزاز بالأسرة و النسب، و الطبقة، و العنصر هم من المكمّلات الأساسيّة للإعتزاز بالنفس و لا شكّ، فالإحتفاء بالعنصر الأبيض، على سبيل المثال، هو من ثوابت الفرد الأبيض الكامل لأنّه في فخره المباشر بنفسه، يحوي فخرًا ضمنيًا بأجداده، و بمن جاء من سلالتهم، و العكس صحيح، ففخره بإنجازات عنصره و سلالته مباشرةً، يعدّ فخرًا ضمنيًا  أصيلًا بنفسه، و هكذا في كلّ الهويّات الأخرى، فكلّما اقتربت الهويّة من دائرة النفس كلّما كان الفرد أكثر موضوعيّة و العكس صحيح.

         العنصريّة “Racism” و الطبقيّة “Classism”، باستبعاد شبهتيّ التعدّي على أرواح الآخر أو ممتلكاته أو استعباده، يعدّان اكتمالًا لعنصر الفخر و الزهو بالذات معًا.
    أي العنصريّة و الطبقيّة الخاليّتان من عدم استهلال العنف
    Non-initiation of Violence يعدّان الضامن الفعّال لما نحن بصدده من مجتمع فوضويّ يتركّز فيه الفرد كحاكم لذاته و بذاته Self-Governance، و هذا الحكم الذاتيّ هو الضامن بدوره لأقصى مراحل الحرّيّة الفرديّة التي نؤمن بها، بل و لسنا مستعدّين، كأفراد، للمساومة حول حقّ الفرد في حرّيّة مطلقة غير مقيَّدة، و غير مشروطة، بل و غير منظَّمة من قبل أيّة حكومة أو فرد آخر تحت أيّ مسمّى كانت.
    إيمان الفرد بعدم استهلال العنف يضمن مجتمع خالٍ من العنف، و خلوّ المجتمع من العنف يعقب وصول الأفراد لدرجة متقدّمة من التطوّر الحضاريّ الذي يملي على كلّ فرد التعاون من خلال المصلحة الشخصيّة
    “Self Interest”، بل أكثر من ذلك، أنّ وصول أفراد مجتمع ما لهذا التطوّر الحضاري يضفي بعدًا جديدًا خالٍ من نظام دولة تستعبد الفرد و تُملي عليه ما يجب و ما لا يجب أن يفعله، و هو التطوّر الذي شرحنا فيه باستفاضة في الجزء الأوّل.

         فكر النخبة البرجوازيّة و إنتاجهم الماديّ و الإبداعيّ هم دائمًا، و لا يزالون، المحرّك الرئيسيّ للمجتمعات البشريّة على مدار جميع العصور و في جميع الحضارات.
    و كما علّق يومًا لودفيج فون ميسس، الإقتصاديّ النمساويّ العظيم، بأنّ الرأسماليّة، كفلسفة مسؤولة بشكل أساسيّ عن تطوّر الحياة المذهل على هذا الكوكب، لم نرتقيها إلّا عن طريق تزكية من نخبة قليلة “Élite”*
    و لا يعني اكتساحها لجميع النظريّات الاقتصاديّة على الإطلاق، و بقائها المذهل، و تجديدها المستمرّ، مع كونها فكر نخبويّ، إلّا لأنّ طبقات أقلّ اعتقدت بأنّها الطريق الاقتصاديّ الأمثل للتوزيع حسب الإنجازات “To all according to their accomplishments”، و نجاحها يعني موضوعيّتها؛ لأنّ الفئات الأقل تبغي ارتقاءًا، بغضّ النظر عن موقعهم الاجتماعيّ، فجعل العالم كلّه بفئاته المختلفة يتّجه إليها، سواء بحسّ العامّة، أو بالحسّ الماديّ، أو بالحسّ الفلسفيّ، جميع الطرق تؤدّي للرأسماليّة.
    بل و يؤكّد أ.ج.ب. تايلور المؤرّخ الإنجليزيّ و مترجم كارل ماركس للإنجليزيّة بأنّ حتى الثورات و الإضرابات، التي يأخذ عليها الفكر الرأسماليّ استهلالها للعنف مما ينافي قيم الرأسماليّة تمامًا، لم تنجح إلّا عن طريق مساعدة النخبة لها، نفس النخبة التي ساعدت كارل ماركس نفسه في انجلترا لنشر أفكاره المضادة لهم في الأساس، و على رأسهم فريدريش إنجلز.**

         صنّاع النخبة، و تُجّارها، و مفكّروها هم المسؤولون عن الحراك الجذريّ الذي يحدث في أيّة مجتمع يتواجدون فيه، بل و منتجاتهم الاستهلاكيّة و الإبداعيّة تنتشر بفضل وعيهم و اتّجاههم للربح لخدمة المستهلكين، و رواج سلعة أو خدمة أو منتوج ثقافيّ ذات جودة عالية هو ما يحفّز منتجيها على الإنتاج بكميّات أكبر، فيستوعب المستهلكون هذه الكميّات، لتتحوّل في خلال سنين معدودة المنتجات و السلع و الخدمات الترفيهيّة إلى منتجات و سلع أساسيّة، بل و تجعل الرأسماليّة من المنتجات و السلع و الخدمات الترفيهيّة منتجات و سلع و خدمات أساسيّة.
    هذا التأثير المباشر الذي تمليه الطبقة البرجوازيّة على المجتمع، يضاف إليه تأثير غير مباشر، نتيجة الارتياح النفسيّ الذي يبعث الطبقات الأخرى على اقتناء الرفاهيّة تشبّهًا بالطبقة البرجوازيّة، و كأنّ هذه الطبقة البرجوازيّة، بتأثيريها المباشر و الغير مباشر، تجذب طبقات المجتمع جميعًا بقوّتها الماديّة و الفكريّة لمصاف ارتقاء أعلى، مع الحفاظ على الفروق الاجتماعيّة و الماديّة بين الطبقات. تظلّ الطبقات المتوسّطة و الدنيا تحاول الارتقاء للطبقة البرجوازيّة تمامًا كما يحاول الإنسان دائمًا الارتقاء للإنسان أعلى، و لكن على الطبقات المتوسّطة و الدنيا أن تتوافر فيها الإرادة الحرّة، و الطاقات الذهنيّة و الإبداعيّة، بالإضافة للقدرة الماديّة حتى ترتقي لتطوّر الطبقات البرجوازيّة، و تستطيع توريث صفاتها المكتسبة الجديدة للأجيال القادمة.
    على سبيل المثال فإن الطبقة البرجوازيّة التي كانت تمتلك تلفازًا في الخمسينات و الستينات جذبت الطبقات الأخرى لاقتنائه، بالإضافة إلى التقنيّات الأخرى، فأصبحت كلّ الطبقات الآن تملك جهاز التلفاز الذي كان حكرًا برجوازيًّا في الماضي.***
    هناك مثال شائع في مصر حول ما نحن بصدده، و هو سوق التليفونات المحمولة، و التي كانت في بداية تشغيلها عام 1998 حكرًا على الطبقات البرجوازيّة الثريّة بنسبة استخدام تقلّ عن 1%، بيد أنّ هذه النسبة قفزت بعد عشر سنوات إلى 43% في يونيو 2008، بحسب الإحصائيّات الرسميّة للجهاز القوميّ للإتّصالات.****
    الآن يجب ترجمة هذه الأرقام المجرّدة لحقائق لا تقبل التشكيك، و هو أنّ الطبقة البرجوازيّة، و في سبيل ربحها، تنهض بالمجتمع ككلّ، بل و تشكّل هذه الطفرة الهائلة، و تجعل من ثانويّات الماضي أساسيّات الحاضر، و كأنّ الطبقات تتعاقب على التطوّر الحضاريّ مثلما تعاقب الإنسان عليه، فإن كانت الطبقة المتوسطة حاليًا تأخذ مكان الطبقة البرجوازيّة في الماضي، من حيث الإمكانات الماديّة و التقنيّة، فإنّ الطبقة البرجوازيّة تحرّكت هي الأخرى و قفزت درجة أخرى على سلّم التطوّر اللانهائيّ، و كأنّ الحراك الذي تبادر به الطبقة البرجوازيّة ينتج عنه لحاق الطبقات المختلفة بتطوّر حضاريّ و بيولوجيّ أعلى، و كأنّ الطبقة البرجوازيّة هي الجاذب و الدافع معًا لتطوّر البشريّة ككلّ و لحاقها بتطوّر أعلى. أو كما قال لودفيج فون ميسس، فإنّ الرأسماليّة تفكّ حصار بروليتاريّة الرجل العادي، و ترقى به لمصاف الطبقة البرجوازيّة.*****

         أحبّ أن أستشهد هنا بفقرة خالدة لصديقة رأسماليّة عزيزة، و هي أميرة طاهر، و الفقرة ليست بمعزل عن ما نحن بصدده، حيث تقول: "الفقراء في الأصل لا يمانعون في أن يكونوا كذلك، بل و لا يكرهون الأغنياء و لا الرأسماليّة؛ لأنّهم قد يصبحوا أغنياءًا في المستقبل القريب بإمكاناتهم. أمّا الحقد و الضغينة فهما ينبعان من الضعف، و ليس أكثر. فالفقراء يرحّبون بالنظام الطبقي أيضًا؛ لأنّه الشاهد الوحيد على عدالة التوزيع المالي و الاقتصادي، فأنا كرجل فقير يسعدني العمل كثيرًا كعامل في مصنع لأحد كبار الرأسماليّين البرجوازيّين، بشرط أن تتوافر في الدولة القوانين المناسبة التي تكفل لى افتتاح مصنعي الخاصّ في المستقبل، فعندئذ لن تكون هناك مشكلة في أن أكون بورجوازيًّا في يوم من الأيام.

         "الرأسماليّة و الطبقيّة تحققان العدل الإجتماعي أيضًا، فالرأسماليّ يهتم بالشّغّيلة أكثر مما تهتم بهم الحكومة؛ لأنّهم كموارد بشرية، يحرص الرأسماليّ عليها حتى لا تصاب بعطب أو بمرض أو يخطفها المنافسين، و إلّا فإنّ هذه الموارد البشرية التي تعدّ ثروة و التي تحقق له المكسب الماليّ سوف يخسرها و للأبد. الرأسماليّ يهتم بتوفير الرفاهية للشّغّيلة كي ينتجوا أفضل فتزيد أرباحه، أمّا الحكومة فلا يعنيها الأمر بشكل شخصيّ، و نادرًا ما توفر الراحة والرفاهية للشّغّيلة.

         "من الخطأ أن تساند الحكومة المواطنين الذين تعثّروا في أزمة الرهن العقاريّ الأمريكيّة أو في الأزمات الاقتصاديّة المختلفة، فالمنتحر بسبب عجزه عن تسديد القرض و فقد منزله ليس ضحيّة مثيرة للشفقة، بل أنّه فاشل لم يسعفه عقله و قدراته لكي يخطط جيّدًا و يعمل للمستقبل، لكي يحصل على وظيفة أعلى دخلًا. و لذلك رفض مجلس الشيوخ بأغلبيّة ساحقة مشروع القانون الذي تقدم به بوش لتخصيص 700 مليار دولارًا لمواجهة أزمة إفلاس البنوك.

         "الخلاصة، أنّ هذه الأموال تم أخذها من المواطن الشريف الذي يدفع الضرائب. الفقراء لا يكرهون الرأسماليّة بقدر كرههم للإستغلال الحكوميّ باسمهم/ و إذا اقتطعت الحكومة منّى، شخصيًّا، ضرائب باهظة لتساند هؤلاء الفاشلين و الضعفاء و الأغبياء، فهذا لا يعني إلّا اعوجاج النظام الرأسماليّ، الذي لا بدّ من تقييمه بإلغاء نظام الضرائب. ليس من العدل أن أعمل ثم أدفع للحكومة مالّا تأخذه بيدها اليمنى، و تعطيه بيدها اليسرى للمحرومين و المفلسين و معدومي المواهب.******"

         أمّا ضعف الإمكانات و القدرات هو الذي يقود الضعفاء لمعاداة الطبقة البرجوازيّة، و الرأسماليّة التي تمثّلها هذه الطبقة “Anti-Capitalism”، و ليس التفكير الموضوعي.*******
    الطبقة التي نحن بصددها، هي الطبقة الرأسماليّة بمفهومها الحديث، منذ الثورات الصناعيّة الآوربيّة، طبقة أصحاب الأعمال، و ممتلكي وسائل الإنتاج إمّا عن طريق اكتسابها بالإرادة الحرّة و العمل و القدرات العقليّة المميّزة، أو عن طريق وراثتها من آباء اكتسبوها بذات الكيفيّة. التعريف السابق هو لإزالة أيّ لبس لدى القارئ الذي مازال يُصرّ على الخلط الشنيع بينها و بين الإقطاعيّة، أو بينها و بين الأرستقراطيّة. الإقطاعيّة لم يعد لها وجود منذ سقوط أنظمة الرقّ العالميّة قبل مائتيّ عامًا في المملكة المتّحدة، و قبل أكثر من مائة و خمسين عامًا في الولايات المتّحدة. أمّا الطبقة البرجوازيّة، فهم هؤلاء العصاميّون، بالمفهوم الشائع، الذين تكسّبوا انتمائهم للطبقة الأكثر رقيًّا على السلّم الطبقيّ إمّا لمهاراتهم الفرديّة المكتسبة أو الموروثة، أو لممتلكاتهم الخاصّة المكتسبة أو الموروثة.
    أضغط في النهاية على قيمة العمل التي نفّذتها الطبقة البرجوازيّة بلا تشدّق و لا افتعال و لا تنظير يوتوبيّ يناقض واقعه، فالقيم البرجوازيّة دائمًا ما كانت تتلمّس طرق الواقع قبل التنظير، و ما أنا بصدده حقائق و ليست أوهامًا... حقًّا، إنّ العالم لا يحتاج لقيمة العطف، بقدر احتياجه لقيمة العمل.

    أجزاء سابقة:
    في الفكر البرجوازيّ 1.

    References

    *  Ludwig von Mises, The Anti-Capitalistic Mentality, Illinois; Libertarian Press, p. 35

    ** Karl Marx and Friedrich Engels, The Communist Manifesto With an Introduction by AJP Taylor, Penguin Books, Introduction p. 20

    ***  Ludwig von Mises, The Anti-Capitalistic Mentality, Illinois; Libertarian Press, pp. 42 - 43

    **** لقراءة هذا التحقيق المثير، إضغط هنا!

    ***** Ludwig von Mises, The Anti-Capitalistic Mentality, Illinois; Libertarian Press, p. 1

    ***** Capitalism deproletarianizes the “common man” and elevates him to the rank of a “bourgeois.”

    ****** الفقرة منقولة حرفيًّا من المبدعة أميرة طاهر، الفنانة الرقيقة و الرأسماليّة الشرسة و الكاتبة المتميّزة.

    ****** Ludwig von Mises, The Anti-Capitalistic Mentality, Illinois; Libertarian Press, pp. 11 - 15 

                                                                                أحمد زيدان                                                                          

    4/10/2009

    في الفكر البرجوازيّ 1

         التاريخ الإنسانيّ لا يختلف كثيرًا عن التاريخ الموثّق، فكلاهما يتوطّد كلّما يتقدّم، فالمؤرّخون إذ يختلفون حول حياة الشاعر الإغريقي هومر في فارق غير معلوم أكثر من 400 سنة، بل و الأدهى أنّ لا أحد يستطيع الجزم بأنّ الأوديسّى هي من نتاجه، نقف اليوم نحن على حافّة الشاطئ الآخر تمامًا بحيث لدينا ما يوثّق بوم وفاة رونالد ريجان بالتحديد، بل بالساعة و الدقيقة.
    إنّنا نحيا في زمن هو من توطيد التوثيق بحيث لا لحظة تكاد تنفكّ من قلادة الزمن الممتدّة، إلّا و تتأرشف بفعل التقنيّات الحديثة مؤرَّخة، بل و مسجّلة بالصوت و الصورة لإعادتها مرّة أخرى وقتما يشاء الإنسان، و كأنّنا نعيش الحاضر و الماضي متوازيَين.
    و بقدر ما تُحرّر، هذه التقنيات، الإنسان تدريجيًا من عبئ تحمّل عناء التذكّر في الوقت الذي تجرّد فيه التاريخ من الأهواء، تضع عليه عبئ مناوئ و مساوي من الموضوعيّة.
    عبئ الموضوعيّة على العقلاء يوازي عبئ الفردانيّة على الضعفاء، فالعاقل يدرك أنّ أهوائه و مصالحه تتدخّل في اختياراته و لا شكّ، كما يدرك الضعيف أنّ تجريد العلم للعالم من أقمشة خرافات الماضي يؤلمه، سبيله في ذلك كسبيل من لا يزال يصارع الغرق من على حصيره الهشّ، بينما العقلاء من حوله على سفنهم المرفّهة و المتينة يبحرون، لعلّه يستطيع التنقّل لسفينة حربيّة بمفرده كما فعل هؤلاء، و لكن لأسباب ضعفه و جبنه و تعلّقه بخرافة الأوّلين سيموت هكذا ضعيفًا، أو تدهسه سفينة فيموت صريعًا، و لا عزاء اليوم للضعفاء!
    إنّ العلم يتقدّم مع الزمن ليكشف النقاب عمّا لا يزال مختبئ، فيرقّع ثوب المعرفة الزاهية ألوانها، و إن كان ثمّة سببًا لانتشار الخرافة و الجهل في الأوّلين نظرًَا لحجم فجوات الثوب وقتذاك، فلا أدنى مبرر الآن، و قد تكشّفت حقائق كثيرة و بانت، و أصبحت الثوب لا تدركها إلّا بعض الرقع البسيطة، و التي أثق أنّها في طريقها للترقيع عمّا قريب.
    و إن قصدت هنا الفجوات التي خلّفتها تساؤلات الأديان الواسعة التي التمسها عقل الإنسان المتفلسف، فإنّي لا أقصد بالرقع إلّا الثغرات البسيطة التي خلّفتها تعافب النظريات العلميّة المكمّلة لبعضها الآخر، أو اللاغية حديثها لقديمها، و التي تَعقَّبها عقل الإنسان الموضوعيّ بعد تفنيده للفجوات الكبرى.
    ليتنا نؤمن بخلاص العلم! فلا سبيل لنا إلّا إليه، فهو هادي العقول الحائرة. و إن كنت في اجتهادي السابق قد وضعت الفلسفة قبل العلم، فهو ليس تقليلًا من شأنها بقدر توصيفها بالمشعل الكهربيّ الذي يعقب ضوءه التلسكوبيّ المسح الشامل بالعلم.

         إن كان كتاب في أصل الأنواع لـتشارلز داروين الذي يبحث في التطور البيولوجي للإنسان هو من الكتب التاريخيّة ذائعة الصيت؛ لتأثيره على فكر و فلسلفة و علم البشريّة حتى اليوم، فإنّ حلقات قناة البي.بي.سي البريطانيّة الوثائقيّة التي حملت اسم ارتقاء الإنسان في سبعينات القرن الماضي لـبروفسور جاكوب برونوفسكي عالم الرياضيّات و الأنثروبولوجيا البريطانيّ، و التي جُمعت بعد ذاك في كتاب هو من الكتب الهامّة أيضًا التي بحثت في مراحل التطور الحضاريّ للإنسان.
    نظريّة التطوّر يعيد النشوء
    “Ontogeny recapitulates phylogeny” أو ما يعرف باسم قانون ميكيل و سوريه، تقول أنّ تطور الجنين الحيّ للإنسان يعيد مراحل تطوره البيولوجيّة بداية من الخليّة الواحدة “Monocellular Organism”، وصولًا للإنسان، و مرورًا بمراحل التطوّر كما شرحها داروين، و من بعد يأتي عالم الحيوان الألمانيّ إرنست هَيكيل بعد أربعين عامًا تقريبًا، و تحديدًا عام 1866، ليرسم خريطة توضيحيّة لـقانون ميكيل و سوريه، لتحظى النظريّة بقبول عام في الأوساط العلميّة وقتها.
    أعتقد في جواز هذه النظريّة بشكل أو بآخر، و لكنّي، مثلما يؤكد معظم علماء الأحياء اليوم، أرى أنّها لا تتبع بالضرورة ما رسمه هَيكيل، فقد تختلف بنِسب و أشكال متفاوتة بين كلّ فرد و آخر، خاصّة و أن الأجداد مرّوا بتجارب مختلفة، ستجعل التطوّر مختلفًا نسبيًّا بين جنين و آخر، و لكنّه سيظلّ يتبع الخطوط العريضة التي تحدّث عنها كلّ من ميكيل و سوريه، فالنظريّة جائزة، بل و منطقيّة تمامًا.

                            رسم هَيكيل الذي يوضّح قانون ميكيل و سوريه

    و لا يوجد أشمل ممّا ذكره الفيلسوف الإنجليزيّ العظيم هيربرت سبنسر، صاحب تعريف البقاء للأقوى Survival of the Fittest و القوّة هنا تشمل الأهليّة العقليّة و القوة البدنيّة الملائميّة البيئيّة جميعًا، بخصوص قانون ميكيل و سوريه؛
    "لو كان هناك ثمّة ترتيب لما جناه العنصر البشريّ من معرفة مختلفة على مرّ العصور، فإنّ من الأولى أن يجني كلّ طفل هذه المعرفة المكتَسبة بالترتيب ذاته، فالتعليم ما هو إلّا إعادة إنتاج للحضارة، و لو بنسبة متفاوتة."*
    إن كنت أؤمن، كما آمن سبنسر يومًا ما، بأنّ ما نحن فيه الآن ما هو إلّا وراثة لما اكتسبه الأجداد بإرادتهم الحرّة
    “Voluntary Will”، فهذا يعني أنّ كلّ ما يؤهلّ الفرد في أيّ مجال هو من صنع إرادته الحرّة، أو إرادة الأجداد الحرّة، أو إرادتهما معًا بنسبة متفاوتة، و هذا ما يعرف بمنهج اللاماركيّة نسبةً للعالم الفرنسيّ جون بابتست لامارك، و هو نفس ما أثبته مندل بعد ذاك (1822 – 1884).
    إذن فالإرادة الحرّة ليست إلّا شحنة وراثيّة تتسلّمها الأجيال الجديدة من السابقين، و تورّثها معدّلة لللاحقين، فكما أنّ من يمتلك صوتًا جميلًا أو مهارة معيّنة هي حقّه المشروع كمن يمتلك إرثًا عينيًا تمامًا؛ فكليهما مُورَّث أو مكتسب، فكذلك من لديه إعاقة بدنيّة أو ذهنيّة قد ورثها أو اكتسبها نتيجة فشله في مرور اختبارات الظروف الطبيعيّة المحيطة به، مع نجاح أفراد آخرين في اجتيازها، سواء بفعل عوامل بيئيّة، أو كائنات أخرى، أو حتى أفراد آخرين لديهم ما لا يملك
    Natural Selection.”
    و إذا فصّلنا مفهومنا للإرادة الحرّة سنجد أنّ أيّة نقطة في الزمن لا تتعيّن إلّا عن طريق تلاقي عدد لا نهائي من الإرادات الحرّة لأفراد مشتركين مباشرةً أو بطريقة غير مباشرة في صنع الحدث، حتى يتجلّى لنا التاريخ إلّا مركّب معقّد من الإرادات الحرّة، و على هذا فإن أيّ ما يحدث، فقد حدث وُفقًا لترتيب زمنيّ تدخلّت فيه الإرادات الحرّة للأفراد و اشتركت في تحديد مصير هذا التاريخ بالذات في هذا المكان بالذات، و لنعطِ مثالين على ذلك؛ فقد يفوز لاعب بمباراة تنس لأنّ إرادته الحرّة أقوى من اللاعب المهزوم، و في مثال آخر، فإنّ الآنيّة الفخاريّة لم تقع على رأس راجل أسفل البناية إلّا لأنّ أحدهم ألقى بها من الشرفة عن إرادة كاملة منه، قد تكون الإرادة الحرّة للرامي هي التي لعبت الدور الأكبر هنا إن كان ألقاها عن إرادة كاملة منه، أو قلّة إرادته في عدم الحفاظ على اتّزان جسده إن وقعت بلا قصد مباشر منه، بينما تظلّ إرادة الراجل في أن يعبر هذا الشارع بالذات في هذا الوقت بالذات هي الأخرى مشتركة في صنع اللحظة، اللحظة التي تتشكّل من خلال التقاء إرادتهما الحرّة سويًا، أو التقاء إرادة لآخر مع قلّة إرادة لآخر، أو حتى قلّة إرادتهما سويًا في اجتناب ما لم يريدوه حقًّا. و إن كنا لنستخلص شيئًا ممّا مضى ذكره، فإنّ الإرادة الحرّة سواء للآباء أو للأبناء، بعد البلوغ، هي التي تشكّل كلّ لحظة، و لا دخل لأيّة عوامل أخرى خارجة عن الإنسان ”,
    Free WillMetaphysical Libertarianism,” or “Voluntaryism.”
    رجوعًا إلى سبنسر، و الذي يضفي بعدًا جديدًا بفلسفته اللاماركيّة، و التي أجدني أستنتجها بنفسي و أستخلصها من سبنسر في آن واحد؛ ليس كلّ تطوّر جنين “
    Embryological Development” يعيد التطوّر البيولوجيّ للعرق ككلّ فقط، و لكن أيضًا يعيد التطوّر العمريّ من الطفولة حتى الشيخوخة التطوّر الحضاريّ هذه المرّة للعرق ككلّ.
    التاريخ الإنسانيّ يؤكّد على الارتقاء الحضاريّ للإنسان بداية بالمجتمعات الفوضويّة داخل الكهوف، و العيش بمساعدة الصيد و من ثمّ الزراعة، مرورًا بالمجتمعات المنظمّة، التي نعيش ذروتها الآن بفضل التنظيم الدوليّ الجغرافيّ و المؤسسيّ و القانونيّ الصارم لقارّات و دول و كيانات مختلفة، و أعتقد أنّنا في اتّجاهنا للفوضويّة الفرديّة، و التي ليست كفوضويّة السيرة الأولى، و لكنّها فوضويّة من نوع جديد ينتزعها الفرد بعد إدراكه لمدى عبثيّة النظام و فساد السلطة، بالإضافة للقهر الذي يمارس ضده كلّ يوم باسم الدولة.
    وُفقًا لما وصلناه قبيلًا، فإنّ ارتقاء الإنسان الحضاريّ عبر العصور من الفوضويّة الجماعيّة
    “Totalitarian Anarchism”، للجماعيّة المنظمّة “Statist Totalitarianism”، للفوضويّة الفرديّة “Individualist Anarchism”، يجعل من الدول مركّبات حضاريّة وسيط فقط بين فوضويتين، الأولى جماعيّة ما قبل الحداثة، و الثانيّة فرديّة ما بعد الحداثة، و بالتأكيد فقد يوجد ما بينهم مراحل وسيطة لا حصر لها، و لكنّي اختصرتها هنا للخطوط العريضة فقط، هذا بالإضافة إلى أنّ كلّ عنصر أو عرق أو دولة تختلف فيما بينها حيث موقعها الحاليّ بين مراحل التطوّر المفترضة هذه، فقد يكون العنصر الأبيض سابقًا للعنصر الأسود بمراحل عديدة تساوي مدة سنين مديدة، كما أنّ العرق الآوربّي سابقًا على السلّم الحضاريّ للعرق العربيّ، مع وجود اختلافات استثنائيّة و لا شكّ، و هي نفس الفروق على مستوى الأفراد، فليس لكلّ الأفراد نفس مستويات الذكاء أو القوّة، و هكذا بين الأجناس بشكل عام.

    التطوّر الحضاريّ للإنسان يوازي التطوّر العمريّ للفرد

    و هكذا تمامًا، فإنّ كلّ فرد منّا يقلّ اعتماده على من حوله كلّما تقدّم في العمر، فالطفل، و إن اعتبرناه يمثّل مرحلة الفوضويّة الجماعيّة، هو فوضويّ بطبعه، حيث يهمهم، و يستهلّ اكتساب المهارات الإنفعاليّة و الحسيّة و العقليّة و اللغويّة شيئًا فشيئًا، و لكنّه يظلّ معتمدًا على أمّه بنسبة تقلّ عن المئة بالمائة بقليل، مرورًا بشبابه، و الذي تقلّ معه نسبة اعتماده على الغير مع زيادة حرصه المنظّم و سعيه الحثيث نحو الحياة، بالإضافة لاكتمال اكتسابه المهارات و الخبرات اللازمة و التي تؤهلّه للحياة و الإنتاج بمفرده، و لتكن تلك مثل مرحلة شباب العالم المنظّم الذي نعيش في تبعات تهوّره الآن، و من ثمّ أخيرًا لا تعني الرجولة أو الأنوثة المتقدّمة إلّا قلّة نسبة الاعتماد على الآخر لنسبة تكاد تصل للصفر، و إن اعتمد فمن خلال التبادل لأنّ تراكم الثروة هي التي تخلق نزعات الفرديّة الموضوعيّة، و هي المرحلة المتقدّمة التي تحمل في طيّاتها التقدير الصحيح لمدى عبثيّة العالم و فوضويّة الإنسان ما بعد الحداثويّة عالميًا، و ما بعد الحرّيّة الفرديّة على مستوى الفرد.

    Reference 

    * Herbert Spencer (1861). Education. pp. p.5.

                                                                                                            أحمد زيدان

    4/7/2009

    حيوانات أيامنا 47

         ما أكثرهم! ما أكثر حيوانات أيامنا! كلّ يوم أقابل حيوانات جديدة، أعرف أدمغةً جديدةً، أشكّل أفكارًا جديدةً، أسطّر أحرفًا جديدةً، و أخلط ألوانًا جديدةً. هذا المخّ الحيوانيّ الذى أحويه امتلأ عن آخره، فقرّر التخلّص من كلّ شئ بطريقة أكثر حيوانيةً و أمانًا. فجاء إلى هنا و ملأ المدونة أصباغًا و أحبارًا، كلامًا من الماضي، و أسئلةً عن المستقبل.
    عفوًا، لأوّل مرة سأتنازل عن الفصحى بعض الشئ، لأنّ التعبيرات الحيوانيّة لا تخلو من العاميّة، و لا شكّ.
    من يريد طرح أيّة أسئلة، فليتفضل بمراسلة بريد الحيوانات الإلكترونيّ
    :
    hayawanat_ayamna@hotmail.com
    و سأحتفظ بخصوصيّة الراسل، من أيّ جنس حيوانيّ كان. و سوف أردّ على الأسئلة تباعًا فى الأجزاء المتتالية من "حيوانات أيامنا."
     

    1 – تسألني إحداهن، أنا مبفهمش اللي انت بتكتبه؟!
    - مثلما لم أطلب منك الفهم، لا تطلبي منّي الشرح!

    2 – يسألني أحدهم، أعتقد أنّي لو كنت في الصحراء و وجدت ورقة ملقاة على الرمال، و بها شئ من كتاباتك، لجزمت أنّه أحمد زيدان؟!
    - صدقت!

    3 – يسألني أحدهم، لو كلّ القوى و التيارات طلبت منك هتافًا للليبراليين في المظاهرات؟!
    - أنا مالي... أنا مالي... منا دايمًا رأسمالي!

    4 – يسألني أحدهم، أسلوبك جميل جدًا يا أحمد، فهو يعطيني إحساسًا بالدفئ؟!
    - كلانا، أنا و أسلوبي، يستخدم نفس كيفيّة التدفئة، و لكن بمعايير مغايرة!

    5 – يسألني أحدهم، هل تعتقد أنّ الولايات المتحدة لوّنت دولارتها بالخضار تبرّكًا بالإسلام؟!
    - لأ، العكس!


    6 - يسألني أحدهم، هل أحمد زيدان صاحب سيجارة أم صاحب كاس؟!
    - صاحب أمّك يا روح أمّك!

    7 – يسألني أحدهم، طالع في البيت بيتك بمناسبة إيه؟!
    - ابن "بار".

    * حيوانات سابقة:
    - الجزء السادس و الأربعون
    - الجزء الخامس و الأربعون
    - الجزء الرابع و الأربعون

                                       في صحّتك

    * تقديم الشيخ محمود، و تامر بضين، و المعلّم خيري ل.ت.د كومباني.
    الصورة من الموقع الفرعي لـيساري مصري على فليكر.
                                                                                                              أحمد زيدان

    3/31/2009

    بين الكاف و النون


                                            Galatea of the Spheres

         كــــ. ن. أ. ط.
    باسم كونها كائنة، و ما تكونه، و ما سوف تكونه.

         في البدء كانت هي، ثمّ كانت حيثما كانت متى ما كانت، و من ثمّ كانت عندما كانت وقتما كانت، لكنّها كانت ريثما كانت أنّما كانت. فلمّا كانت و لمّا كانت و لِما كانت، فقد كانت، و بعد ذاك كانت و قبلذاك كانت و خلالهما لا تزال تكون، و حينذاك كانت كما كانت دائمًا. كانت و لم تزل تكون و ستظلّ كما كانت للأبد.

         لعلّها كانت! و ليتها كانت! و ليتما كانت! و ما فتئت أن تكون إلّا ما كانته، و إن لم تكن فقد كانت، و كونها كائنة فهي الكون و ما يكونه العالم و ما تكونه الأنثى، و ما كانته فعلًا و ما لم تكنه و ما كادت أن تكونه و ما ستكونه، أمّا كونها كانت أم لم تكن، فلها وحدها، و لو لم تكن لكانت، برغم كونها و بحسب ما تكونه.

         كثيرًا ما كانت و قليلًا ما كانت. لا تكن! و لْتكن! و لْتكون؛ كي تكون، و كيما كانت، كأنّها كانت كما كانت، بيد أنّها كانت أن تكون. فكانت و كانت و أي كانت و لم تكن إلّا بما كانت، و لم يكن أحد كونَها، و لم يحتذِ أحد خطوها، و لم تكن هي لتكون، غير كونها هي.

         عسى ما كانت! و نعم ما تكون! و بئس من لم يكنْها و لم تكنْه! و لكوننا الفخر كونها كائنة فيه و حوله و عليه و فوقه و تحته، غير أنّها كانت إذا ما كانت، فلا بدّ من أن تكون لولا كانت هي لئلّا لم تكن. كانتني و كنتها و كونها تكوّنني و أكوّنها، فنحن نكون. جلّ كونها، فعنها و بها و منها و لها يكون كلّ ما في السماوات و ما في الأرض.  (سجدة).

         التباس غير مرهون؛ بين الكاف و النون: "ل م"... لم أكن لأحيا لأحد سواك!

         فما لبثت أن كانت حتى كانت، و لم يمض على كونها زمن حتى كانته. لها ما تريد أن تكون، و عليها ما لا تريده، حسب أنّ كونها و إرادتها و إمرتها و زمرتها و فتنتها و نورها للأبد كائنين، لا كانت و لا كانت سواء كانت أم لم تكن، حيث أنّها كانت بالرغم من أنّها كانت و كانت، بل كانت و كانت، و هكذا كانت و كانت، مثلما كانت حرّيّتها و كمالها و جمالها.  

         عظُم كلّ ما كوّنها و كلّ ما كوّنته! و ما كان بينهما، و ما كان بهما كائنًا، و ما كان لهما حافظًا أو بانيًا أو منهما مشتقًّا، بينما دامت بكيانها و كونها و كينونتها و مكنونها و تكوينها و نكهتها و كنهها و كهنوتها، لا يحدّها حدًّا و لا يحتويها، و لا زمانًا و لا مكانًا. و كذلك لا يسعها عقلًا و لا قلبًا إلّا بما ترضى عنه كيانها.

         في البداية كانت و في النهاية كانت، و بين تلك و ذاك كانت كما بين الوجود و العدم أيما تكون، كما بين الكاف و النون. كانت كن فيكون! فكنّاها معًا!

         التباس ثان؛ شهر نيسان.
    صدقت أينما كانت حينما كانت حالما كانت.

                                                                  أحمد زيدان

    * اللوحة للعظيم الإسباني سلفادور دالي (1904 - 1989)، و هي "جالاتيا الكرات" (1952). و فضلًا عن كونها لـجالا زوجته، فجالاتيا، "هي الّتي اللبن الأبيض،" أيضًا منحوتة بجماليون، و الّتي نحتها فأحبّها، ثمّ دعى الإلهة فينوس التي أشفقت عليه بدورها فأحيتها له، لينجبا بافوس بعد ذاك، حسب الأسطورة الإغريقيّة المجيدة.

    3/17/2009

    في رحاب جون لينون


                        في رفقة الأصدقاء

         التهمت فطوري في مطعم قريب، ثمّ خرجت على عجل. مددت أصابعي الباردة أثناء مسيري إلى محفظتي، إلتقطت الطابع، وضعته تحت لساني، أغمضت عيناي لبرهة، و بدأت الامتصاص.

         هممت بدخول القهوة العتيقة، ارتكنت إلى حائط من حوائطها الصفراء الباهتة، و جعلت أغزل ما حولي من مشاهد بنَول سريالي على ورق كرّاستي بنفَس واحد لا يتوقّف بلا شطب و لا تعديل، و لكن غالبًا ما يعدّل هذا كلّه قبل النشر ليتمّ نشر قصيدة مغايرة تمامًا، و بعيدة كلّ البعد، عن ما استُهلل؛ و هذا لأنّ الورق الناصع سرعان ما يوجّه كاتبه لخطّ أيّ شئ آخر غير الذي نواه، و ليتني أدعو ذلك إلهام الورق الأبيض أو الإغواء الأخير للكاتب، فغالبًا ما ينشر الكتّاب نسخة معدّلة، بل و مختلفة تمامًا عن مسودّاتهم الأولى.
    لا يهمّ كثيرًا ما كتبته في هذا اليوم، فقد كنت أشغل وقتي حتى انطلاق الرحلة برفقة صديقي.

         بدا أخيرًا بشعره الكثيف و نظارته الشمسيّة المعهودة من خلف زجاج القهوة المكسور، و المستعاض عنه بكرتون بنّي في نفس عمر المكان تقريبًا، دخل في مشيته البطيئة، لم يكترث به أحد و لم يرحّب به إلّاي، خلع معطفه و سند جيتاره الأحمر اللامع على الحائط، و هوى على كرسي خشبيّ بجانبي.
    لم نتكلّم كثيرًا حتى وصول زجاجتين هاينكن، حين ابتلعت أنا الطابع الملوّن في إثر طعم الشعير المثلّج.
    استهلّ هو الحديث حول "بيرة الصباح،" زجاجة البيرة التي، على حدّ قوله، لم يفارقها صباحًا واحدًا منذ ثمانية و عشرين عامًا. شربنا في نخب الموسيقى و الكلمات و الفتيات الجميلات، و اللائي اختفى معظمهنّ من ظهيرة القاهرة الغائمة هذه، إمّا بداعي العمل أو الدراسة، أو بعد ليلة طويلة من ليل العاصمة، أو استعدادًا لليلة جديدة على الأرجح.
    شربنا و انطلقنا، و ليتني أطلق على هذه اللحظات "نشوة بيرة الصباح" بحسْب صديقي جون. عجبته سحب القاهرة الكثيفة و نهارها التي تزيّنه شمس خجولة تبعث على الدفئ و الإلهام. النهار الذي كان بالنسبة لساكن قاهريّ، مثلي، من أحسن النُهُر التي رآها في القاهرة على الإطلاق، بيْد أنّه تعجّب كثيرًا، على الجانب الآخر، لمشهد محتجبات كُثر يعجّ بهنّ ميدان الفلكي، و لذا فضّل الإكتفاء بمشاهدة السماء و أمسك عن النظر المباشر في عيون الناس طوال الرحلة القصيرة.

         كنت أستمع إلى إليانور ريجبي بينما نتجه غربًا في اتّجاه شارع عبد السلام عارف... كنّا مستلبي العقل غير مكترثين، رأيته يضحك بلا سبب جليّ، و عندما سألته، أخبرني الرجل الغامض أنّه يضحك من مشهد هؤلاء المارّة الوحيدين الذين يكتنفهم حزن عميق، و مع هذا يهرع كلّ منهم لقضاء حاجته داخل حدود شرنقة عالمه النسبيّ الضئيل جدًا بالنسبة لعوالم الآخرين، فهنالك من هم ذاهبون لأعمالهم، و آخريات لاقتياد أبنائهنّ من المدارس، و هنالك العائدون، و آخريات للتبضّع، و آخرون للّحاق بمباريات الدوري، و آخرون للحملقة في الناس، و آخرون، مثلنا، بلا هدف محدد، و في حين أنّ كثافة الأفراد ضخمة جدًا مقارنة بالشارع الذي يستوعبهم بصعوبة بالغة، إلّا أنّ كلّ منهم يعاني، سواء اعترف بذلك أو لا، من مرض الوحدة المزمن.
    إنّ المارّة يمشون في لا اتّجاه حقًّا، و لا يعبئ أحدهم بالعالم الخاصّ بالشخص المجاور، فهذا أو تلك يعتقد أنّه هو، ذاته، مركز الكون، و أنّ مشاكله و همومه و نزواته العاطفيّة كُتبت على العالم أجمع ليشهدها و يشهد عليها. دقيقتان انفصلت فيهما عن العالم الخارجيّ تمامًا كأنّي أصمّ، أشاهد حركات بطيئة بلا صوت، أفكّر في عالمي الخاصّ، بلا أدنى ربط واقعيّ بما حولي، حتى لم أكد أسمع ما قاله صديقي الإنجليزيّ في هاتين الدقيقتين. إنّه صمت حادّ أشبه بساعة حائطيّة توقّفت عن الدقّ بعد انتفاضة حبّ أخيرة جامجة.

         لأنّ السماء زرقاء، فهي تبعث على البكاء... استفزّتني ملاحظة جون لاستنتاج عدّة ملاحظات أخرى متّصلة حول عبثية ما نعيشه من حياة يومية، فنحن نستلذّ بها و نستنفذ الفراغ التي تكونه، بحيث ننصّب آلهة، و نضع أهدافًا، و نناضل في سبيل قضايا وهميّة؛ كلّ هذا لِنسم عبثيّتها الشديدة بسِمة قيمة ما، أيّ قيمة، في محاولة أخيرة منّا لترقيع "ثوبها العبثيّ" بوضع أهداف أكثر عبثيّة و جدليّة و هزليّة، فخلال رحلتنا الهمجيّة، دائمًا ما ننسى المنشأ العبثيّ، فيستغرقنا الوهم حتى نخال أنّ ما نعيشه هو الحقيقة و ليس الوهم، و قد نغالي في إظهار تعاطفنا مع وهمًا إنسانيًّا آخرًا فقط لكسب تعاطفًا جماهيريًا مع وهمنا الشخصيّ، أو حتى في الدفاع ببسالة، الشديدة الشبه بالكوميديا السوداء، عن وهمنا الأوّليّ بكلّ ما أوتينا من قوّة، حتى نكاد ندهس وهم آخرين في سبيل الوصول لوهمنا أوّلًا، تمامًا مثلما كلّ شئ يعبده الإنسان، فهو يمجّده بحيث يصبح من الضخامة المهولة التي يصعب معها نفيه، بل و تحال أيّة محاولة لإنسان آخر في اجتراء الواقع المؤلم إلى انشقاق بيّن عن الوهم الجماعيّ المحتوم، فيبدأ الإنسان تدريجيًا في نسيان أنّه هو نفسه المسؤل عن هذه الهالة، فهو يضخّم الوهم ثمّ ينسى إعادته لهيئته الأصيلة، يؤلهه ثمّ ينسى أنّه من صنع يده، يؤطره ثمّ ينسى أنّه هو صاحب الإطار. و هلمّ جرّا، هلمّ جرّا، هلمّ جرّا... ضمن سلسلة مكررات سرديّة ضخمة تبحث عن اختلاف الدلالة.
    كلّ منّا يفكّر في اتّجاه أوحد يربطه بالمستقبل، غير مكترثًا حقًّا بما مضى، و لا بما يوازيه من خيالات مشوّشة لأفراد مماثلين له في الأحلام و الطموحات، و لا بما هو آت، و أنا أجزم أنّ أيّ تفكير تحليليّ بسيط في أيّ من الثلاث اتّجاهات كفيل بتقدير كميّة العبث المناسبة التي نعيشها، إنّ تاريخ كلّ منّا أشبه بمن يمشي طريق غائمة كثيف الغيوم، طريق تسمح لك بإدراك ما تحت عينيك فقط و ليس المستقبل البعيد، و كلّ فرد حولنا يشمي ذات الطريق النسبيّة، الذي تسمّى العالم، في غيمته الخاصّة. بيد أنّ النظر للوراء إلى الماضي يسمح لنا برؤية الطريق ممهّدةً مع استحالة تغييرها، فيصبح الحكم على شخصيّات الماضي جائرًا بل أخرقًا و لا شكّ؛ لأنّنا نحكم عليهم من خلال منظورنا الجليّ الواضح و ليس من خلال ما كانوا يواجهون هم وقتذاك وسط غيماتهم الخاصّة. ليتنا ننطر من زاوية أعلى الآن بعد رسم طريق خياليّة يتّصل فيها ما حدث بما هو قادم من أحداث، و لنفترض أنّ أيّ منا ترك إرثًا تتذكّره من خلاله الأجيال القادمة، الآن ماذا بعد؟! سيظلّ ذكراه نصف كاملة في الجيل الأوّل ثم ربع كاملة في الجيل التالي، و هكذا دواليك حتى يُحال لنقطة نافقة على درب التاريخ الشاسع، نقطة ضئيلة يدوسها كلّ جيل متتابع، و ينساها، و يخفّفها حتى تختفي و لا تعد لذكراها أيّ مجال مناسب. هذه الحال بالنسبة لمن ترك إرثًا خلفه، فما الحال بالنسبة للغالبيّة العظمى من الذين لم يتركوا إلّا اسمًا سيُمحى بالتأكيد بعد ثمانية أو تسعة أجيال على الأكثر... السؤال الأكثر إلحاحًا الآن: ماذا نصنع نحن هنا إذا كان التاريخ الإنسانيّ بهذه العبثيّة الساحقة، ماذا نفعل و لمن؟! سؤال لاذع و مؤلم و جدليّ و عبثيّ في آن.
    فكّرت في كلمات أغنيّته الثوريّة تخيّل، و كيف أنّ أفكار لينون الفوضويّة الداعية للحبّ و السلام في أغنيّة تحمل بين طيّاتها أقلّ من خمسين كلمة توازي، في ثقل فلسفتها، كتبًا و مذاهبًا عدّة. و كما قال لينون، فهو ليس الوحيد الذي يحلم بعالم خالي من وساوس الجنّة و النار و الدين و الدولة، و لكنّه الوحيد الذي عبّر بكفاءة مزرية عن هذا العالم الذي رأيته لتوّي، و ارتآه هو قبلي، إبان تنقّلي بين الشوارع و بين عيون الناس بصحبة مبدع في حجم جون لينون.             

         كنّا نتّجه في اتّجاه ميدان التحرير إبان لازمة أغنيّة هاي جود... حدّثني جون عن ابنه جوليان من زواجه الأوّل بسينثيا، أخبرني كيف ساعدت هذه الأغنيّة جوليان على التخلّص من الآثار السلبيّة لانفصالهما... سرعان ما فقدت كلماته ثانيًا، و سرحت في اللاوجود، و ظللت محملق له، أسمع كلامه مشوّشًا، و لكن عقلي في مكان آخر تمامًا... كيف تكون الحياة هي مكان آخر هكذا؟!
    صور متتابعة لديجا فو لم تسبق لها الصيرورة أبدًا، إرتجاعات عقليّة في صورة فلاشات محضة أبيض في أسود لحياة موازية تحيا بها نيرفانا، لا أسأل ماذا لو؟! و لكنّي أتحدّث عن تجربة حقيقية في عالم موازي، حيث حال نيرفانا من حال جوليان تمامًا، فقد تسعهما أغنيّة هاي جود معًا، و لكن الفرق الوحيد أنّ جوليان من أب و أم أنجباه ثم افترقا، بينما نيرفانا لم تولد إلّا في هذا العالم الموازي، فقد افترق والداها حتى قبل تكوّنها الأوّل في عقليهما المجرّدين. هنيئًا لها! فهي لم تضطّرب بعبثيّة العالم الوهميّ الذي نكونه الآن، آمِلًا أن يكون العالم الموازي أكثر اتّزانًا.
    أجدني أبدّل كلمات اللحن لا شعوريًا لهاي نيرفانا!
    لم أستفق من غيبوبتي، و لم ينتهِ هو من حديثه، الذي لم ألتقط منه الكثير، إلّا عندما هممنا لقطع ميدان التحرير في اتّجاه كوبري قصر النيل تحت السماء المضطّربة كمانا تمامًا، خطوت خلفه على علامات المشاه البيضاء مثلما غلاف ألبوم آبي رود الشهير... ابتسمنا، و لوّحت لنا شابّة أنيقة من خلف الزجاج الأمامي لسيّارة بيتلز زهريّة اللون كانت تقف في الإشارة منتظرة انفراجة ضيّقة علّها تخترق نحو عالمها الخاصّ المتقاطع مع عالمنا في هذه اللحظة بالتحديد.

         مدخل أغنيّة الأمس تقتلني بمعدّل خمسين مرّة في الثانية... هنالك عبئ يلقي بظلاله عليّ، الأمس جاء فجأة، لماذا هي اختفت؟! لا أعلم! هي لن تقول شيئًا! هنالك شئ خطأ على الأرجح، أوّاه كم أشتاق للأمس!
    الأمس مسجّلة في موسوعة جينس بوصفها أكثر أغنيّة في تاريخ الموسيقى العالميّة قد أعيد إنتاجها و غنائها في نسخات أخرى لفنّانين آخرين، حتى وصلت إلى 3000 نسخة.
    إنّها تعبّر عن نوستالجيا الماضي القريب التي تصيب كلّ منّا بعد ليلة رائعة من السمر، أو تجربة شيّقة من السفر، أو حتى موعد مع عشيقة حول طاولة من الورود و العشاء الشهي و الخمر المفضّل، أو هي نفس نوستالجيا الماضي البعيد التي تصيب الحالمين منّا بالشوق المجهول للعودة للعصر الفكتوري، أو ستينات الهيبّيز، أو ثلاثينات القاهرة. هي نوستالجيا في كلّ من الحالتين مع اختلاف مسافة الزمن الذي يكتنفه الحنين، بل الهوس في بعض الأحيان.
    نوستالجيا الأمس مختلفة نوعًا ما؛ إنّ الزمن لم يكن إلّا الأسبوع الماضي، و الحنين المنشود إزاء امرأة موجودة، و ليست شبح أو ميّت، هو من نوع فريد إلى حدّ ما، فهي نوستالجيا لماضي كانته امرأة لم تعد الآن كما كانت، هي ذكرى بكلّ ما تحمله المعنى من تجريد، و الذكرى ليست هنا إثبات على تاريخيّة الحدث و آلام الفراق، بقدر ما هي نوستالجيا لحبّ عنيف تحوّل بالولادة القيصريّة إلى ذاكرة التاريخ. نوستالجيا للأمس لمّا كانت معي و بين ضلوعي، تمامًا مثلما نوستالجيا بيتلز لأمس الأغنيّة، كما أتبعوها بأغاني عظيمة أخرى تبرز نوستالجيا بيتلز للماضي و تلهم الحائرين، من أمثالي، و تنير طريقهم الوعرة، مثلما حدائق الفراولة الخالدة و شارع بيني.
    عرجنا يسارًا على رصيف كورنيش النيل المديد، و تحدّثنا عن التماهي مع النفس، و عن مدّة الوقت المسموح به لإنسان ما أن يتماهى مع نفسه مع حفظه لاتّزانه المنشود.
    أخبرني الرجل الرشيق أنّ موسيقى الروك هي على الأرجح "غير مُدَندَنة،" و قبل أن أسأله عن قصده، فصّل إجماله بأنّ الروك لا يدندنها المرء منّا عادةً في بيته منفردًا، و لكنّها موسيقى يصل الإستمتاع بها مداه كلّما تماهى المستمع بالمغنّي، التماهي الذي قد يصل عند بعض لحظات الصوفيّة الموسيقيّة إلى الاتّحاد، سواء على المسرح أو من خلال إسطوانة مسجّلة، و من هنا نشأ ضرب جديد من المعجبين مع انتشار الروك على نطاق واسع في القرن الماضي، أو لندعوهم ضرب جديد من المهووسين بنجوم الروك، الهوس الفتّاك الذي قد ينشب لحدّ قتل المعجَب لنجمه المفضّل... إنّهم يجبّونهم حبًّا جمًّا، و ما القتل إلا لأنّ هؤلاء المهووسين قد اكتشفوا عن طريق المصادفة، من شدّة التماهي مع المعجَب به، أنّ هناك أحدًا قد قام بتعرية آمالهم و أسرارهم و آلامهم، و كشفها على الملأ – أحدهم قد سبب فضيحة مدوّية له. أمّا بعض المعجبين لا يتحمّلون هذا التشهير، فيكون الحلّ الوحيد المتاح أمامهم حينذاك، بعدما أعمتهم ستائر الكشف المبين عن مسرح الحقائق، هو قتل هذا الذي فضحهم، تمامًا مثلما يقرأ أحدنا رواية ما، و يتماهى مع المؤلّف لدرجة الجزم بأنّه رأى نفسه لتوّه في طفولة البطل أو مراهقة البطلة، و أنّه هو حرفيًّا بلا مواربة. إنّها مرحلة من مراحل التماهي حتى التعرّي، أو تواطؤ التفاصيل.

         أنت لم تعطني أموالك البتّة، فقط أعطيتني أوراقك المرِحة، و في أثناء المفاوضات، تُعلّق كلّ شئ!
    أخبرني الرجل ذو الشعر الفوضويّ مثلما كلّ شئ يؤمن به عن إلحاده الجادّ، الإلحاد بوصفه الملاذ إلى النفس، فهو لا يؤمن إلّا بنفسه و يوكو، على حدّ تعبيره في أغنيّته الشهيرة الإله، الأغنيّة التي أحدثت جدلًا واسع المدى عند صدورها عام 1970، بل لا يكاد يؤمن حتى ببيتلز، أو أيّ آخر قد يعطّل تماهيه المطلق مع ذاته تحت غطاء السلام النفسيّ الهائل الذي وصله بفضل الاتحاد الجسديّ بيوكو و الروحيّ بالموسيقى، و من ثمّ قادنا الحديث إلى "طفح يوكو الإبداعي" كما أطلق عليه، و من ثمّ تحدّثنا حول هولدن كولفيلد، و تيموثي ليري و أغنية تعالوا معًا التي غنّاها مع بيتلز في العام 1969، حيث قال لي حرفيًّا، "شئ واحد أودّ أن أقوله لك: كن حرًّا!"

    حدّثني حول بول مكارتني "العنيد" بحسب وصفه، و كانت المرّة الأولى و الأخيرة أن يتحدّث حوله أثناء رحلتنا معًا، و قال "تخيّل أنّه اتّهم شركة هاينكن العالميّة لصناعة البيرة بالاعتداء على المِلكيّة الفكريّة لبيتلز، و بالتحديد على ملكيّة اسم أغنيّة تعالوا معًا، عندما استخدموا شعارهم الأبيض الشهير ذات الخلفيّة الخضراء عظماء معًا، حيث يؤكّد في محض ادعائه أنّ الشركة الهولنديّة الأصل استخدمت شهرة اسم أغنية بيتلز لأغراض تجاريّة، مع عدم الرجوع لبيتلز، فقامت بتغيير طفيف لاسم الأغنيّة مع إعطاء الإيحاء بها للقارئ." جدير بالذكر أن كلًّا من جون لينون و رينجو ستار رفضا التوقيع على الإدّعاء، بل ساندا حق هاينكن التامّ لبُعد الاسم تمامًا عن تخاريف مكارتني كما وصفها لينون.  
    حدّثني حول تدخينه للحشيش مع بوب ديلان عام 1964 في نيويورك، و أشياء أخرى مثل محاولاته، بمشاركة يوكو، الرامية للسلام في العالم بواسطة نشر الجنس كوسيلة للتأمّل العميق.

         أريدك! أريدك بشدّة! هذا يبعثني على الجنون... سمعنا صوت نسويّ يصرخ بهذه الكلمات أثناء عبورنا أمام فندق شهير مطلّ على الكورنيش، و من ثمّ انطلقت نحونا في إثره فتاة يابانيّة من وسط فوجها السياحيّ العريض، و قبّلت جون من فمه قبلة طويلة و حارّة، و طلبت منه أن يوقّع لها على ظهرها و على قميصها الأبيض القصير، و قد كان، و من ثمّ قبّلته مرّة أخرى ببراءة، ثمّ أصرّت أن ألتقط لها صورة تذكاريّة مع نجمها المفضّل، متجاهلة تنبيهاته المتكررة لها بأنّه لن يظهر في الصورة بعد تحميضها.
    كررت في وداعها المحفوف بالدموع له "أريدك! أريدك بشدّة! هذا يبعثني على الجنون،" و أخبرني صديقي، الذي في ضمّها الحنون إلى صدره ذكّرني و كأنّ أحدهم يعانق شخصًا افتقده كثيرًا و لم يره منذ سنين مديدة، أنّ موقف مشابه لهذا تمامًا تعرّض له في طوكيو عام 1966 أمام الفندق الذي أقام فيه بيتلز لبضعة أيام بوسط العاصمة، حيث اخترقت فتاة، بنفس المواصفات تقريبًا، لحشد الصحفيين و لزملائه الآخرين في الفريق، و طلبت نفس الطلبات، و لعلّها هي من ألهمت لينون بعد ذلك بفترة ليست بالقليلة لأغنيّة بيتلز الشهيرة أريدك بشدّة (إنّها ثقيلة جدًا)، الأغنية التي تتكلل بعزف لينون عزفًا منفردًا طويلًا مدّته ثلاث دقائق في آخرها، العزف المرتجل الذي لم يكن متّفقًا عليه قبلذاك. أمّا العزف المستلهم، و الذي استغرق فيه لينون لحدّ التجلّي و بسببه طالت الأغنيّة لأكثر من سبع دقائق و نصف، لم يكن إلّا بسبب فقدانه للتركيز أثناء تسجيله بمصاحبة الفريق في ستوديوهات آبي رود في إبريل 1966؛ و لمّا تخيّل جون صورًا لحظيّةً ذات أبعاد حقيقيّة تتتابع أمام عينيه، كلقطات سينمائيّة خاطفة، لممارسة الحبّ مع هذه الفتاة اليابانيّة في هذه الليلة البعيدة من عام 1966، لم يسعه هو إلّا إعادة إنتاجها موسيقيًّا بلعبه المتواصل لنفس النوطة الرئيسيّة مرّات و مرّات مكررة حتى النهاية... لقد كان في مكان آخر، و ليس في آبي رود، أو لنقل أنّه كان في آبي رود و لم يكن هنالك في الآن ذاته، فقد كان يستبطن ما يعيشه عقله في طوكيو بخاصيّة الفلاش باك، و يحوّله إلى موسيقى في آبي رود، فهو، كما يشير، كان يعزف في آبي رود مرتجلًا بينما كان منغمسًا في انتشاء جنسانيّ كهذه الليلة التي ارتبط ذكراها بأفضل ليلة مارس فيها الرجل ذي الموسيقى العبقريّة الحبّ في حياته جمعاء، و كأنّ هذه الليلة قد وسمت حياته كلّها بميسم المتعة الحسيّة الخالدة. فقد جعل يعيد النوطة حتى ارتقائه لنشوة الأورجازم العقليّة الكاملة، اللحظة التي تشبه في قصرها لحظة توهج المغنسيوم، و لكنّها تُدرك بعد جهد حثيث و مثابر في الوصول لقمّة الجبل الشاقّ. وقتذاك توقّف ليجد أفراد الفريق بالإضافة للمنتج مندهشين من دفق تعبيريّة الإضافة الجديدة التي أضيفت لتوّها على الأغنيّة الأصيلة، و التي قد جعلتها بعد ذاك من أطول أغاني بيتلز على الإطلاق.
    لقد رأى هذه الفتاة اليابانيّة مرّة أخرى بمعرضها الفنّي بلندن؛ لأنّ هذه الفتاة لم تكن إلّا يوكو أونو. 

         عرجنا يمينًا على كوبري قصر العيني في اتّجاه كليّة الطبّ و قصر العيني القديم، كان الجو بديعًا للغاية، و لم يستطع هو مقاومة النسمات و الغيمات و الخلاء التامّ المسيطر على الكوبري، قبَس جيتاره بالهواء، و بدأ في الغناء:

     الحبّ، الحبّ، الحبّ،

     لا يوجد ثمّة ما تريد فعله لا يمكن فعله،
     و لا يوجد ثمّة ما تريد غنائه لا يمكن غنائه،
     لا يوجد ثمّة ما تستطيع أن تقول، و لكن بإمكانك أن تتعلّم كيف تلعب.
     الأمر هيّن.

     لا يوجد ثمّة ما تريد صنعه لا يمكن صنعه،
     و لا يوجد ثمّة أحد تريد إنقاذه لا يمكن إنقاذه،
     لا يوجد ثمّة ما تستطيع أن تفعل، و لكن بإمكانك أن تتعلّم كيف تكون نفسك في الوقت المناسب.
     الأمر هيّن.

     كلّ ما تحتاج إليه هو الحبّ،
     الحبّ هو كلّ ما تحتاج إليه.

         صفّقت... هللت... أحدثت صفيرًا و جلبةً و صراخًا... وحدي. و من ثمّ التقطنا خيوط الحديث، بعد أدائه المذهل على كوبري قصر العيني، عن الإنتحار، تحدّثنا حول الإنتحار بوصفه الطريقة الأزلية السامية للتماهي مع النفس، و في كونه محاولة أخيرة لفرض هيمنة الحرّيّة الفرديّة و التحكّم الإرادي في اختيار الإنسان الفوضويّ في الهجرة لعالم أكثر فوضويّة، و ليكن هذا الإنسان هو سيّد قراره الأخير: الفناء.

         مرقنا من خلال البوّابة الرئيسيّة، توقّفنا يسارًا بعدها بحوال عشرين مترًا تحت ظلّ شجرة معمّرة. حيّاني بابتسامة ملغزة، اختلجني وقتذاك إحساس مناوئ لما هو نفسي، ثمّ انسلت كطيف في اتّجاه قسم التشريح المجاور لإحدى بوابات كليّة طبّ قصر العيني الرئيسيّة الضخمة، ارتقى درجات السلّم التسع في سلاسة عجيبة، و من ثمّ اختفى داخل قاعة القسم الكبيرة المظلمة.

                                                             أحمد زيدان

    3/14/2009

    حيوانات أيامنا 46

         ما أكثرهم! ما أكثر حيوانات أيامنا! كلّ يوم أقابل حيوانات جديدة، أعرف أدمغةً جديدةً، أشكّل أفكارًا جديدةً، أسطّر أحرفًا جديدةً، و أخلط ألوانًا جديدةً. هذا المخّ الحيوانيّ الذى أحويه امتلأ عن آخره، فقرّر التخلّص من كلّ شئ بطريقة أكثر حيوانيةً و أمانًا. فجاء إلى هنا و ملأ المدونة أصباغًا و أحبارًا، كلامًا من الماضي، و أسئلةً عن المستقبل.
    عفوًا، لأوّل مرة سأتنازل عن الفصحى بعض الشئ، لأنّ التعبيرات الحيوانيّة لا تخلو من العاميّة، و لا شكّ.
    من يريد طرح أيّة أسئلة، فليتفضل بمراسلة بريد الحيوانات الإلكترونيّ
    :
    hayawanat_ayamna@hotmail.com
    و سأحتفظ بخصوصيّة الراسل، من أيّ جنس حيوانيّ كان. و سوف أردّ على الأسئلة تباعًا فى الأجزاء المتتالية من "حيوانات أيامنا."

    1 – يسألني أحدهم، إنّها ليست بخصوص النظريّة، أو بسبب ميولك، و لكنّك فعلًا تعامل الفقراء باحتقار شديد؟!
    - هذا ليس صحيحًا تمامًا، فقد أجلس مع طبقات أقلّ منّي ماديًّا بكلّ ودّ، و لكن يستحيل أن أصادق طبقات أقلّ منّي حضاريًا أو اجتماعيًّا.

    2 – يسألني أحدهم، أنت مثقّف و بتكتب كلام حلو جدًا، و لكن إذا كنت أنا أفهمه فهمه بصعوبة، يبقى بقيّة الناس بيعملوا إيه؟
    - في حلّين عند سيّادتك: إمّا أن تتعلّم الفصحى؟! أو أن تكتفي بحيوانات أيامنا!

    3 – تسألني إحداهن، السيستانيّ رجل موفّق جدًا و هو من العلماء المبجّلين و المتنوّرين؟!
    - مثل كلّ رجال الدين الإسلاميّ، التنوير يبطّن عقولهم و يحف فتواهم، بداية بقتل المرتدّين و مضاجعة الأطفال، نهاية بقتل ميكي ماوس، مرورًا ببول الرسول، و إرضاع الكبير، و ما خفي كان أعظم.

    4 – يسألني أحدهم، لازم تفكّر في تأسيس فرع مصر للعيال العنصريين البيِض؛ لأنّك تنفع قائد لحركة مثل مصر الفتاة؟!
    - و انت لازم تفكّر في تأسيس مركز مصر للعيال البيْض.

    5 – يسألني أحدهم، أحيّيك لشجاعتك فى الإنضمام لـجروب ضد احتقار المثليين جنسيًّا، فهذه شجاعة عجز عنها الكثير من الحقوقيين؟!
    - هذه ليست شجاعة منّي بقدر ما هي "خيبة" منهم.

    6 – يسألني أحدهم، ماذا لو قام أحدهم باقتراح طبع "و لله الأمر من قبل و من بعد،" أسوة بـ”In God We Trust” المطبوعة على الدولار الأمريكيّ مع كونها دولة علمانيّة؟!
    -  يبقى نطبع على الجانب الآخر "شخرة مباركة."

    7 – تسألني إحداهن، أتدعو لي في الصلاة أم لا؟!
    - لا أظنّ أن هناك دعاءًا أقرب إلى المولى من دعاء الخلاص.

    * حيوانات سابقة:
    - الجزء الخامس و الأربعون
    - الجزء الرابع و الأربعون

    - الجزء الثالث و الأربعون

                          أنا أؤمن بالرأسماليّة

    * يجب على الدولة أن تراعي الإختلافات النسبيّة بين مواطنيها، و الولايات المتحدّة دولة علمانيّة تدرك هذا جيدًا، و ما لا يزال يطبع على ظهر ورقة الدولار هو كارثة بكل المقاييس. أنا أؤمن أنّ مساحة خالية ستحلّ هذا النزاع الأزليّ الدائر، و ليكتب كلّ شخص ما تمليه عليه قناعاته، فهناك أمريكيّ يؤمن بالله و آخر يؤمن ببينلوبي كروز.
    الدين للفرد، و الدولار للجميع!

                                              أحمد زيدان

    3/8/2009

    إلى تلك التي لن ترى النور أبدًا

                                                      ماذا عسانا أن نفعل الآن؟؟

         ابنتي الغالية، مساء الخير؛

    متى رجعتِ من المدرسة يا عزيزتي؟!

    و ماذا تلقّنتِ هنالك؟!

    هل تعلّمتِ أن تتقبّلي الآخر؟!

    مهما كان هذا الآخر؟!

    و هل تناولتِ غذائك المفضّل؟!

    و هل بدأتِ يومك بالتمرين الصباحيّ؟!

    و أنهيتيه بقرائاتك النهمة؟!

    و هل ارتدتِ السّينما لمشاهدة الفيلم الأخير؟!

    و إلما وصلتِ في دروس البيانو الأسبوعيّة؟!

    أقدّر مدى وعي عقلك في هذه السنّ المبكّرة، فهل قدّمتيه قبل كلّ بداية و عرجتي به لكلّ نهاية؟!

    أتتذكّرين نصيحتي القديمة؟!

    "اعملِ ما يمليه عليك عقلك!"

    هل كوّنتِ فضيلتك الشخصيّة بناءًا على قناعاتك الذاتيّة النسبيّة؟!

    و هل اقتنعتِ أن تصنعِ ما شئت بحرّيّة تامّة مادمت لا تعتدي على حرّيّة أيّ فرد آخر؟!

    و أن تستشيرينا أنا و الماما للعلم فقط؟!

    و لْتعلمِ أنّ أيّ قرار في النهاية لكِ، جميلتي، و لكِ وحدك.

    عليك أن تكتسبِ خبرة إثر أخرى من خلال خطأك و من ثمّ تصحيحك!

    فأنا و الماما لسنا هنا لنقيّدك من صنع أيّ شئ، بل لمساندة حقّك المشروع فيه.

    و عليكِ أن تحتفظِ بترتيبك المتقدّم في الرياضة و المدرسة! 

    و ماذا عن سِفرة لندن في الأسبوع قبل الماضي؟!

    احكي لي من فضلك!

    هل حضرتِ حفلة مطربك المفضّل هنالك؟!

    و هل استمتعتِ بالمتحف الوطنيّ و آوركسترا لندن السيمفونيّة و الآوبرا الملكيّة؟!

    هذه من أعرق أوبرات العالم يا صغيرتي!

    و هل فزتِ في كلّ مباريات التنس التي ذهبتِ لأجلها؟! أم أخذ صديقك منك كلّ الوقت؟!

    كيف حاله الآن بالمناسبة؟!

    و لماذا لم تخرجا منذ عطلة نهاية الأسبوع الماضي؟!

    و لماذا لم يعد يأتِ إلى هنا؟!

    أنت تعلمِ كم أحبّ هذا الأبله!

    امرحا و انطلقا و عيشا مراهقتكما لمنتهاها!

    اتركي مفتاح السّيّارة السوداء لأمّك الليلة!

    و آخذي أنت البيضاء!

    و لا تنسِ معطفك! فالشتاء الليلة يداهم النفوس.

    أين ستسهرا الليلة؟!

    هل اطّلعت على آخر صيحات الموضة؟!

    و متى آخر مرّة تبضّعتِ فيها حاجيّاتك؟!

    و آخر مرّة ارتدتِ فيها الكوافير لتصفيف شعرك الثمين الأنيق؟! 

    أنا و الماما متواعدان على العشاء الليلة في أوّل مطعم أكلنا فيه سويًّا.

    أنت تعلمي أنّنا نفعل ذلك كلّ عام.

    سأخبرك بسرّ عظيم، و لكن اخفضي صوتك حتّى لا تسمعنا الماما!؛ أتعرفي ماذا اشتريت لها لعيد زواجنا هذا العام؟!

    لن تصدّقي!

    صورتكما معًا وقت أوّل عيد ميلاد لك داخل إطار ذهبيّ خالص، مثلما لون شعريكما تمامًا... بالطبع لا تتذكّرين!

    يومها نطقت للمرّة الأولى؛ "مامّا! بابّا!"

    تناقشنا وقتذاك بحدّة لطيفة حول ما إذا كنت سترددين دادي و مامي، أم مامّا و بابّا.

    و وصلنا لهذه التسوية: ترددين مامّا و بابّا بالفرنسيّة كما تريد الماما في مقابل التحاقك بالمدرسة البريطانيّة كما أريد أنا.

    ضحكنا هذه الليلة، و علّقت الماما بأنّي انتهزت الموقف لصالحي و لصالح المملكة التي لا تغيب عنها الشمس.

    إنّها ليست شمس المملكة، و لكنّها شمسك أنتِ أيّتها الحسناء المتعقّلة المجنونة الحذرة المتهوّرة!

    و ها أنت الآن تجيدين ثلاث لغات و هذا يؤهلك لأيّ مهنة ترغبين في المستقبل.

    و لتتذكّري أن مصنعي يتشرّف في أيّ وقت لاستقبال الأميرة الصغيرة و الوريثة الشرعيّة للحبّ و الجمال و الدفئ، و لكنّها دائمًا ما تردّد أنّها تريد استهلال عملها الخاصّ بعيدًا عنّي، و أنا أشجعها على هذا تمامًا.

    فالمال يُبنى عليه كلّ شئ، و لا يُبنى هو على شئ.

    لا تأتمني الحكومة أبدًا! و ابحثي عن استقلاليّة العقل و تحرّر الجسد أينما كنتِ! 

    حاولي و افشلي! و حاولي و افشلي! و حاولي و افشلي!

    ففي النجاح فخر و في الفشل عِبرة. 

    عليّ أن أذهب الآن حتّى أكون على الموعد، فالماما دائمًا ما تكون على موعدها تمامًا، بل تأتي قبل موعدها بخمسة عشر دقيقة مثلما فعلت أوّل مرّة تواعدنا.

    علّمتك قيمة الوقت منذ نعومة أظافرك، وحيدتي، و ها أنت ذا ملكة الآن متوّجة يصاغ لجمالها أساطيرُ و تُزنَ لعينيها قصائدُ.

    كم أحبّك يا عزيزتي! و كم أحبّ الماما! 

    أين أنت يا نيرفانا؟!

    لماذا لا تجيبيني؟!

                               أحمد زيدان

    2/24/2009

    حيوانات أيامنا 45

         ما أكثرهم! ما أكثر حيوانات أيامنا! كلّ يوم أقابل حيوانات جديدة، أعرف أدمغةً جديدةً، أشكّل أفكارًا جديدةً، أسطّر أحرفًا جديدةً، و أخلط ألوانًا جديدةً. هذا المخّ الحيوانيّ الذى أحويه امتلأ عن آخره، فقرّر التخلّص من كلّ شئ بطريقة أكثر حيوانيةً و أمانًا. فجاء إلى هنا و ملأ المدونة أصباغًا و أحبارًا، كلامًا من الماضي، و أسئلةً عن المستقبل.
    عفوًا، لأوّل مرة سأتنازل عن الفصحى بعض الشئ، لأنّ التعبيرات الحيوانيّة لا تخلو من العاميّة، و لا شكّ.
    من يريد طرح أيّة أسئلة، فليتفضل بمراسلة بريد الحيوانات الإلكترونيّ
    :
    hayawanat_ayamna@hotmail.com
    و سأحتفظ بخصوصيّة الراسل، من أيّ جنس حيوانيّ كان. و سوف أردّ على الأسئلة تباعًا فى الأجزاء المتتالية من "حيوانات أيامنا."

    1 – تسألني إحداهن، ما يصنعه المثليون جنسيًّا لهو حقًّا شئ غريب؟!
    - و ما تفعليه أنتِ معي، بالنّسبة لهم، لهو غريب أيضًا.

    2 – تسألني إحداهن، صاحب هذه المدونة يعتقد أنّ ما يحدث في فلسطين مشروع، و أنّه أبيض، و أنّ مصر صديقة لإسرائيل؟!
    -  أنا كدة تحت التهديد؟!

    3 – تسألني إحداهن، لو نفسك تغيّر حاجة من ماضيك؟!
    - أهلي.

    4 – يسألني أحدهم، بتتبسط لمّا تشرب معانا يا زيزو؟!
    - كريم و حسام: حدوتة مصريّة في عرض محيط ستلّا!

    5 – يسألني أحدهم، الصديق العزيز أحمد، لقد تمّ حذف تعليقاتي من قبل نيو إنسان؛ لأنّني تحديّته بأن يأتي لي بدليل علميّ على الإلحاد لألحد، فحذف ذلك و أخبرني أنّي غير مرغوب بي. الآن، أتمنّى أن تنتصر لحرّيّة الفكر و العقل ضد صلف الملحدين؟!
    - نيو إنسان، أو أيّ مفكّر آخر، لم يطالب عقلًا آخرًا، مهما كان، بدليل علميّ كي يؤمن بما تؤمن به أو ينكر وجود ما تعتقد فيه، بل فكّر بعقله و عقله فقط، و هو بالتالي ليس مسؤولًا، أو أيّ آخر، عن إجابة أسئلتك كلّها أو حتى تقديم براهين علميّة لكلّ فرد على حدة، فقد ينكر هو ما تؤمن أنت به، و العكس، و قد تقتنع أنت بما لا يقتنع به هو، و العكس، و هذه هي قيمة الحرّيّة بلا عنف و لا قسر. و لو أنّي، شخصيًّا، لا أحذف أيّة تعليقات مهما كانت، فالصورة كما أرسلتها لي غير كاملة، و تنقصها اجتهادًا منك لتستنتج ما نشدته بنفسك، و لتقرأ! و تحلّل! و تعتنق ما تقتنع به! فهو، و غيره، يفتح آفاقًا رحبة للتفكير و التحليل، و لا يجبرك على احتذاء طريق معيّنة. و ما طالبت به أنت من حرّيّة الفكر و العقل سرعان من نقضته بعوزك المقصّر لدليل كي تلحد، و بشتمك اللامبرّر لأفراد مفكرّين.

    6 – تسألني إحداهن، القانون، و ليست مبادئك الشخصيّة، هو الذي يمنعك من القتل؟!
    - إذن، أرني كيف يمكن أن يمنعني القانون من ذبحك الآن باستخدم سكّين الطبخ هذه!

    7 – يسألني أحدهم، ما رأيك بموقع فيسبوك؟!
    - فيسبوك و ويكببيديا هما العولمة الإجتماعيّة و الثقافيّة على التوالي.

    * حيوانات سابقة:
    - الجزء الرابع و الأربعون

    - الجزء الثالث و الأربعون
    - الجزء الثاني و الأربعون

                      Anarchybook

         مصر من أكثر دول العالم استخدامًا لموقع فيسبوك بالنسبة لعدد مستخدمي الإنترنت فيها. المعلومة الماضية من مصدر أمنيّ غير موثوق فيه، و لكنّي قد أستنتج منها حنين أفراد الدول الشموليّة في الحياة بحريّة، و حتى إن كانت تخيّليّة بحتة عبر الإنترنت، فالإنسان يجنح لتحقيق ما يريد حتّى إن كان من خلال أحلام اليقظة أو المنام، و أنا لا أقلّل من موقع فيسبوك، بقدر ما ألعن الشموليّة. فيسبوك يتمتّع بقيم فرديّة هامة أودّ الضغط عليها سريعًا؛

         موقع فيسبوك يسمح لك بأن تكون الشخصيّة التي تريدها، فكلّ شخص يتحكّم في ملكيّته الخاصّة تمامًا سواء صفحة أو مجموعة؛ فالموقع يسمح لك بتدوين ما تريده عن نفسك و بنفسك و تسكت عمّا لا تريده؛ كالدين، أو بلد المنشأ، أو تاريخ الولادة، أو المكان الحالي، أو التوجّهات السياسيّة، أو البريد الإلكتروني، أو الموقع الشخصيّ إلخ...، و إضافة صورة من عدمه، و تسجيل ما تشاء عن عملك/تعليمك من عدمه، و من ثمّ إنشاء عدد لا نهائي من الصفحات التي تخصّك أو الإكتفاء بواحدة، و إنشاء مجموعة أو مجموعات للدفاع عن آراء/معتقدات أو مهاجمة آراء/معتقدات و التحكّم في عضويّة من تشاء و طرد من تشاء و إبقاء من تشاء، بالإضافة إلى الإشتراك في أيّة مجموعة تناسب فكرك أو معتقداتك أو حتّى مجموعة تحبّ أكلتك المفضلّة أو مطربك المفضّل، و مناصرة من تشاء و معاداة من تشاء، و إضافة من تشاء كصديق و مسح من تشاء على أيّة أسس تختارها أنت وحدك و وفقًا لقناعاتك وحدك، و قد تتحدّث مع هذا أو ذاك في أيّ أمر شئت وقتما شئت، و قد تكتب أو تصرخ أو تغنّي أو تعرض ما شئت، و قد تعلّق على صفحة أحد أو نوت أحد أو صورة أحد، و قد تجتمع بشخص واحد أو عدّة أشخاص على الخاصّ أو على العامّ، و قد تبني مجموعة سرّيّة أو مجموعة يقتصر أفرادها على من تشاء، و قد تتناقش كما يحلو لك في أيّ أمر كان، بل و الأدهى أنّ بإمكانك التعامل مع شركات مستقلّة Third Party بحرّيّة و سرّيّة تامّة من خلال منافسة حرّة بين هذه الشركات لاجتذابك، فكلّ فرد له الحقّ التامّ في الإعلان عمّا يشاء، و التربّح من وراء ما يشاء، و بلا أدنى عمل لإدارة فيسبوك غير وضع الأرضيّة “Platform” التي يقوم عليها كلّ هذا النشاط الإلكتروني – كلّ هذا بدون أدنى تدخّل “Intervention” أو تنظيم “Regulation” أو تقييد “Restriction”

         على ضوء أنّ دولة فيسبوك دولة فوضويّة بلا قوانين منظِّمة، يفعل فيها المرء ما تمليه عليه مبادئه الشخصيّة “Virtue”، نلعب لعبة بسيطة: فصفحتك الخاصّة هي بطاقتك الشخصيّة - ما الضرر الواقع على أحد إن زوّرت معلوماتها أو حتّى إن لم تستخرجها من الأصل؟! أأحد تضرّر عندما أخفيت صورتك، أو اسمك، أو جنسك، أو دينك، أو هويّتك؟! لا أعتقد.
    أصدقائك هم محيطك، و أعضاء مجموعتك هم حلفاؤك الاستراتيجيّون، و نوتاتك هي آرائك الشخصيّة، و رسائلك الخاصّة هي أسرارك – كلّ واحد يملك تمامًا هذا العالم النسبيّ الذي تملكه أنت، و لا أظنّ في ثمّة وجود لقانون أو لحزمة قوانين تتماشى مع كلّ الأفراد جميعًا، و لذا فأنا أعتقد أنّنا نستمتع بـفيسبوك لأنّه يسمح لكلّ منّا أن يعيش نسبيّته لأقصى حدّ، و هكذا الفرد المجاور لك، فيتعامل الأفراد مع بعضهم الآخر وفقًا لقناعاتهم الشخصيّة و وفقًا لحدود الأدب التي تعلّموها في البيت.
    التطبيقات الخاصّة
    Third Party Application هي الشركات الخاصّة المتنافسة – لم أسمع مرّة أنّ فيسبوك منع شركات محتكرة، أو أخرى تقدّم خدمات "تافهة"، أو حتّى الشركات المحتالة، فالمستخدم هو الذي يقيّم أداء هذه التطبيقات، و من هنا تولد الشركات العملاقة و تتميّز عن الشركات الصغيرة، و تجمع شركات مبالغ طائلة و أخرى تفلس نتيجة تمييز الأفراد لواحدة عن أخرى على أسس الكفاءة، و ينتج عن هذا تعبير تدرّج قوى الشركات المتنافسة عن المدى الحقيقي لإقبال المستهلك للتعامل معها؛ لأنّها تقدّم له الخدمة المطلوبة بكفاءة أعلى و تكلفة/جهد أقلّ، و أنا لا أعتقد أنّ هناك ثمّة مستخدم واحد لـفيسبوك لم يتعامل مع أو حتّى يعرف تطبيق الأسماء المستعارة  Nicknames، بينما المهتمّين بالإقتصاد و السياسة هم فقط من تعاملوا مع الخارطة السياسيّة  The Political Compass، بينما عدد أقلّ من المستخدمين تعامل مع كم أكون جذّابًا؟!  How Sexy Am I?!: و هذا إن دلّ على شئ، فهو يدلّ تمامًا عمّا يعنيه الليبرتاريون من حرّيّة السوق و سيادة المستهلك المطلقتين بلا أيّة رقابة أو تنظيم أو تعديل أو تقييد أو بقرطة؛ بمعنى آخر أنّ إدارة فيسبوك (الدولة) ليست إلّا ملعبًا، و ليست منافسًا أو مساندًا لشركة عن أخرى، أو مميّزة لطبقة عن أخرى، و من هنا يكمن الإحساس بالمساواة من قبل المستخدمين (المواطنين)، فلا أعتقد أنّ مستخدمًا أسود لـفيسبوك يشعر بأنّة أقلّ من نظير أبيض.

         و ممّا سبق، فإن إدارة فيسبوك تشهد على حرّيّة مواقف أفراد-أفراد، أو أفراد-شركات، أو شركات-شركات جميعًا، و أنّ السلطة هي سلطة كلّ فرد على حدة، و سلطة الأغلبية هي السلطة السائدة بلا أدنى تعدّى على الأقليّة، و هذا تمامًا ما يسمّى بديمقراطيّة السوق “Democracy of the Market”.
    و على اعتبار أنّ حادث اعتداء على الآخر بالسبّ على فيسبوك تحاكي حادث اعتداء على الآخر في الحياة الواقعيّة - كم مرّة تعرّضت فيها أنت، كمستخدم لـفيسبوك، لمثل هذا النوع من الإعتداء مع الأخذ في الإعتبار أنّه لا توجد قوانين تمنعك من ذلك و لا مراقبة من قبل الإدارة؟! بالطبع ليس كثيرًا بالنسبة لنشاطك اليوميّ على الموقع، بل بالنسبة لمستخدمين آخرين لم تحدث قطّ أن تمّ الاعتداء عليه من قبل مستخدم آخر بالسبّ، حتى و ان اختلف الخصوم حول نقطة هامّة في موضوع شائك، و هذا إن كان له دلالة، فدلالته الوحيدة ما قد أثبتناه قبلذاك في مقالات سابقة، بأنّ الفضيلة الذاتيّة
    “Virtue”، و ليس القانون، هي التي تمنعك من الاعتداء على الآخر؛ أي سواء وجد هذا القانون أم لم يوجد، فإنّ حالات الاعتداء لن تتغيّر إحصائيّاتها؛ لأن كلّ مرتكبي جرائم الإعتداء على الآخر هم من غير المؤمنين بالحرّيّة و من غير المكترثين بالدستور (أي الخارجين عن القانون)، بينما كل من يؤمن بـالحرّيّة الفرديّة لن يرتكب اعتداءًا على الآخر سواء وجد القانون أم لا؛ لأنّ هؤلاء الأفراد وصلوا لمرحلة معيّنة من التطوّر الحضاريّ تمكّنهم من تطبيق قناعاتهم الشخصيّة في أيّ بيئة أو مناخ وجدوا.
    و في حالة فيسبوك، فإنّ المستخدمين (المجتمع) هم الذين يقوموا بإقصاء الأفراد غير المرغوب فيهم، بينما يرحبّون بالآخرين الذين لا يتعدّون على حرّيّة أو خصوصيّة الآخر، أي أنّ السوق في النهاية هو المتحكّم، و ليس القانون.

    فيسبوك هو دليل حيّ على ما يطالب به الليبرتاريون من دولة تتقلّص فيها صلاحيات الحكومة لأقلّ حدّ ممكن Small Government.

    * الصورة تعبّر عن وجهة نظر شخصيّة، و هي عمل خاصّ بالمؤلف، و لا تعبّر بالضرورة عن الواقع، و ليست لديها أيّة صلة بأيّة علامات أخرى مشابهة. 

                                                                                                                                                أحمد زيدان

    2/13/2009

    دعاء الخلاص

                         الإحداث الثالث عشر


         الإحداث

    الأوّل

    .البهو المؤدّي للقاعة السريّة بكاتدرائيّة "سانتا ماريّا ديلا فيتوريا" طويل، طول الملائكة
    .في ليلة عيد الميلاد

    2 - سوادة ردائها، المرصّعة بمفاتح الغيب، تُطغي على قتامة صومعة الهدوء المخيِّمة على مشارف رعويّة.
    ارفعي قبّعتك تقديرًا أو اخلعيها إجلالًا! و اطلقي برونزيّة شعرِك للليل! فعازم أنا، عزمًا أكيدًا، الليلة على إفلاتك من ربقتها.
    انتزعي نقاب وجهك الملائكيّ الشفّاف؛ ليتني أستغيث بعينيك استغاثة غريق على ضفاف أنهار شِعرِي و جِنان شعورك!
    و اقطعي بيداء الصمت التي تستفزّ خيالاتي أكثر ممّا تستثير حواسي!

    3 - أعمدةٌ مرخرفةٌ ببريق فتنتها، لوحاتٌ عاريةٌ تزدان بفجورها.
    شموع فضيّة تحوم حالمة حول صولجان ذهبيّ، و أرضيّة من الرخام المصقول تستبق إلى إخمصها اللمس - كلّهم التفّوا ليتأمّل ملكوتها حالما تنزّلت.
    ألحان تنبعث من مؤخّرة البهو الملتمع بغنجها، و الحوائط ترقبها و تترقّبها و توشي بها للمحيط.
    في واجهة الردهة ميزان من كهرمان ينعكس على جسدها المتماهي كمِلحمة، و تتدلّى من سقيفة المنتصف ثرايا ألمظيّة متداخلة، و خلفها ساحل خمر يهرع، كسائر الخلائق، نحو تذوّقها.
    و في الأفق المسيح و الطريق و الخطايا.

    4 - اخلعي فرائك الأسود الطويل بوردته الحمراء الجانبيّة! ليكشف عن قميصك التحتانيّة القرمزيّة التي ضربتها لهيب الرغبة و إثم الإنتظار معًا.
    فأنا مِلجأك، و مُستقرُّك، و واديك المقدّس طُوى.
    فلْتتخلّي عن قرمزيّتك الشهوانيّة! و لْتُلقي بنعليك خارج مجال الإستلهام! و لْتحرّري فخذيك من رهافة تنّورّتك و ساقيك من جواربك الشفّاف!
    و ارتعيني أرتعك!

    5 - استأصلي قفازيّك! فالشتاء يدهم الطبيعة خارج هذا المعبد، و لكن تحت قباب الحبِّ، الحبُّ يدهس كلَّ شئ.
    حِلّي صدريّاتك! و استلقي في نشوة القدّيسة تريزا كيما أستجمعك و أجامع إلهامك!
    الآن، فلْأنحتك في هدوء الترانيم!

    6 - اقلعي عن سكوتك! و اقتلعي خجلك المنير! و اطلقي ضحكاتك المتلألئة في الخلا فتتعاقب أصداء موجات مجونك حتى النخاع!
    انتّشي في الملذّات! و انجّلي مع الموسيقى، و الأضواء، و المجازات، و الإبهام!
    أحرف غير مقروءة على لسانك... فلْألعقنّها في وداعة القطط!

    7 - خلّصيني من إدمان الدعاء، فإنّي أدعوها ليلًا نهارًا!
    اقرعي ناقوس كنيسة قلبي التي ترهبنت دمائك بمذبحها! لتعلن النصر على كلّ من عاداكي و عاداها، متجاهلة كلّ ما عداها، محدثة جَلَبة و صراخ.
    احتملي أسواط الألسن المريرة بآلام الجِماع النشويّة!
    و لْنحتمي بأسوار الصليب من وِشايا المارقين!

    8 - دعيني أتطرّف في هواك! و ادعوني أتطرّق سُبُلَك تطرُّق صوفيٍّ مغويّ!
    اذكريني أتنزّل عليك كسفينة تِجاريّة ضخمة رست على ميناء أبديّة بعيدًا عن العالم و الناس، بعد رحلة استمّرّت واحدًا و عشرين عامًا!
    استتري بين سطوري من برد الشتاء القارض! و ارتكبي كلماتي! فتراكب حبيبين ينزع من الشتاء ريشه الهشّ و لا يترك إلّا حنينه الحارّ... ما أعظمه تراكبًا!
    لِنقتصّ من الزمن ما يبقينا على الكمال و الإكتمال! فيستحيل لورقة رثّة بالية عديمة الإستمراريّة على فسيفساء البريّة.
    باركيني بتعويذة اللازود! و لْنستمدّ ما يُعيننا على السرمديّة من لاهوت الأحياء! و اعلمي أنّ كلانا بالآخر ينجو!
    و لْنمتصّ ما تبقّى من الشبق المتكثِّف بين الرخام و الثرايا، و المتبخِّر بين السماء و الأرض!

    9 - استلبيني ككأس مسكِرة تُذهب عقلي و فلسفتي و جنوني! و هلمِّ نشرب نخب حياة عبثية حباها لنا إلهٌ عبثيٌ من محطِّ سمواته العلا!
    و لْنصبّ من الينبوع إذا نفذ النبيذ الأبيض!
    جسدك و النبيذ: بياض يشوبه بياضًا، فلْتملأي أو لا، سأشرب منغمسًا في الثمالة حتّى الفناء.
    فما الفناء بعد لحظة تملُكِ فيها الوجود؟!

    10 - تهمس إليّ المنحوتة خِفيةً، و لا أدري إن كانت هي الحقيقة أم لم أكونها أنا... فإزاء نطق المتحوتات، ندرك كوننا أشباحًا.
    ليست من الأهميّة بمكان، فمعي أنتِ من خلال ثالوثي: مخلِّصتي، و مليكتي، و معبودتي.
    أستعيذ بك، فأنت الإخلاص، وسْط مرفأي هذا، منسجم الحالة رائق اللبّ، على خلفيّات النعيم المرئيّ التي تحتدّ إبانها شبهات الرغبة.
    ازفري نَفَسَكِ المنغَّمِ، فلآلئك جديرة بالتمعنّ و آرائكك تستغرق الراحة!
    و لْأمتثل للتعبّد في محرابك تعبّدًا مُترفًا! و لْأحتذي اللامكان!
    التباس غير مرهون: وضعيّةُ الخَدَر هي منتّهى المقصد، و خِدر التمثال لن يمنعني من القصيد.

    11 - ليالٌ سُتّون لم نمارس خلالهم العنفَ الجميل، فهلّا الآن؟!
    فلْتنبذي السكون العميق، عمقِ زكريّا!
    أحجر أنت أم حجر أنا؟!

         الإحداث الأخير
    أجداث دموع ترقد بسلام في محاجرها العظميّة.
    نشيج كسر في عرض الوقت و ثمّة اضطّراب في عدل الميزان.
    فساعةُ في عرف العزلةِ عامًا، و في أعراف التقرُّبِ لحظةً.
    أهشِّم المنحوتة، و أعيش ما تبقّى من رحلتي ملحدًا.

                                                                                  أحمد زيدان

    * الصورة لا تخضع لأيّة حقوق ملكيّة فكريّة. 

    2/6/2009

    حيوانات أيامنا 44

         ما أكثرهم! ما أكثر حيوانات أيامنا! كلّ يوم أقابل حيوانات جديدة، أعرف أدمغةً جديدةً، أشكّل أفكارًا جديدةً، أسطّر أحرفًا جديدةً، و أخلط ألوانًا جديدةً. هذا المخّ الحيوانيّ الذى أحويه امتلأ عن آخره، فقرّر التخلّص من كلّ شئ بطريقة أكثر حيوانيةً و أمانًا. فجاء إلى هنا و ملأ المدونة أصباغًا و أحبارًا، كلامًا من الماضي، و أسئلةً عن المستقبل.
    عفوًا، لأوّل مرة سأتنازل عن الفصحى بعض الشئ، لأنّ التعبيرات الحيوانيّة لا تخلو من العاميّة، و لا شكّ.
    من يريد طرح أيّة أسئلة، فليتفضل بمراسلة بريد الحيوانات الإلكترونيّ
    :
    hayawanat_ayamna@hotmail.com
    و سأحتفظ بخصوصيّة الراسل، من أيّ جنس حيوانيّ كان. و سوف أردّ على الأسئلة تباعًا فى الأجزاء المتتالية من "حيوانات أيامنا."

    1 – يسألني أحدهم، أيّهما تفضّل؛ الديمقراطيّة بالنكهة المصريّة أم الديمقراطيّة على الطريقة الصينيّة؟
    - أفضّل الديمقراطيّة على الفحم.

    2 – يسألني أحدهم، يملك أوباما قدرة خطابيّة قويّة، فهو يرتجل، بلا قراءة، أثناء خطبه؟!
    - اثنان كذّابان لا يصدقا أبدًا: السياسيّون و رجال الدين.
    (و أشار بإصبعيه؛ الوسطى من اليدّ اليمنى، و الوسطى من الأخرى.)

    3 – تسألني إحداهن، انت فعلًا لاسع سيكا، لأنّ واحد بكثافة أفكارك التحرّرية في مجتمع كهذا، بالتأكيد "لاسع؟!"
    - قناعاتي ستظلّ ثابتة، سواء زيدان في المجر أو كينيا، و لتسمّيه جنونًا، أو "لسعانًا!" فلتسمّيه كيفما تشائين، و لأعتقد أنا فيما أشاء.

    4 – يسألني أحدهم، انت لازم مجنون، التأمينات و المعاشات هي إجراءات أساسيّة في كلّ مكان حول العالم؟!
    - التأمينات و المعاشات و الضرائب هي أكبر حجج الحكومات، و أشدّ الفرص سنوحًا، للتدخّل في شئون حياة الأفراد اليوميّة.

    5 – يسألني أحدهم، فين أصحابي عنّك طوال هذه الفترة، ما كلّهم مجانين و أنا من نفس الشلّة إيّاها، بس إنت فعلًا متفوّق بجنونك؟!
    - أنا تفوّقت في كلّ المجالات التي خضتها.

    6 – يسألني أحدهم، أكيد إنت واحد مجنون و خرّيج قصر العيني فعلًا، بس مش طالب و لكن من مرضاه النفسيين؟!
    - سي لطفي؟!
     

    7 – يسألني أحدهم، أنا يمكن أنزل مصر مخصوص علشان أشوفك و أتعرّف عليك قبل ما تمسك برميل و تمشي عريان في الشارع زي ديوجين؟!
    - لو لم أكن زيدان، لوددت أن أكون ديوجين!

    * حيوانات سابقة:
    - الجزء الثالث و الأربعون
    - الجزء الثاني و الأربعون
    - الجزء الحادي و الأربعون

                                             كلّنا مجنون

    * لا أعتقد أنّك تنتظر مصدرًا أو ترخيصًا لاستخدام الصورة السابقة.

                                                                                            أحمد زيدان

    2/1/2009

    الحرّيّات الفرديّة 3

                 الحرّيّات السياسيّة حول العالم

         نودّ جذب أطراف الحديث الآن لنسلّط الضوء على تراخيص مزاولة المهن “Occupational Licensure”، و هي ما تعدّ تداخل صريح بين الحرّيّة و القانون، و نقض تامّ لحرّيّة الفرد، و ما يواكبها بداية من التسجيل “Registration” حتى نيل رخصة مزاولة مهنة ما “Licensing”، مرورًا بالإعتماد “Certification” و ما يصاحب هذا كلّه من بيروقراطيّة، هذا بالإضافة إلى التدخّل الصارخ من قبل هذه القوانين في حرّيّة الأفراد، و كما أشرنا مسبقًا*، فإنّ التمييز على أساس رخصة لمزاولة المهنة يجلب أضرارًا كثيرةً للإقتصاد، و يقوّض حرّيّة الفرد في امتهان ما يريده، بل و يمنع المستهلك من سيادة السوق، و من التمييز الطبيعيّ على أساس الجدارة، فكم مرّة قابلت سائقًا أخرقًا يمتلك رخصة سير؟ و كم مرّة صادفت حرفيّ متمرّس غير مسجّل و لكنّه يجيد مهنته؟؟ و هذا لأنّ أيّ تقييد قانونيّ لحرّيّة الفرد من ممارسة ما يشاء، يقابله التفاف حول هذا القانون بالذات من جانب الفرد، بالإضافة إلى أنّ أيّة رخصة، أو مؤهِّل، هي ليست ضمانًا كاملًا لإجادة هذا العامل أو ذاك مهنته، فدائمًا ما كان اختيار عامّة المستهلكين، من خلال السوق، قائم على التجربة و الخبرة و ليست الرخصة أو المؤهِّل*، و دائمًا ما ينتج أيّة تدخّل، من قبل القانون، في العلاقة بين المنتج و المستهلك انتهاكًا لحرّيّتهما معًا، فالسوق دائمًا هو معيار الحرّيّة، بلا تدخّل “Intervention” و لا تنظيم “Regulation.”
    و كما أشارت آيان راند، فإنّ فرض الحكومات على العامل "رخصة" أو "ضريبة ممارسة مهنة" أو "مؤهِّل معيّن لممارسة المهنة،" يعدّ دربًا من دروب العبوديّة، و الفرد حرًّا و ليس عبدًا.**
    و هذا ينطبق تمامًا على نقابات العمّال
    “Trade Unions” التي تحتكر التراخيص “Licensing” و تقوّض حرّيّة السوق ككلّ بداية من المستهلك بإجباره على التعامل مع المسجّلين فقط، إلى الأفراد بالتحكّم في أعداد ممتهني هذه المهنة بالذات، إلى أصحاب العمل بالضغط على الحكومات لفرض حدود دنيا للأجور، و مساوئ نقابات العمّال و أضرارها على حرّيّة العامل و الفرد معًا أضخم ممّا يتصوّر المطالبين بها، و ما يعدّ انتهاكًا من قبل هذه النقابات ضد حرّيّة الفرد و العامل قد نفرد له مساحات أكبر في مقالات قادمة لأنّه جدّ ضخم، بداية من تأثير النقابات المباشر على الأجور و الأسعار، نهاية بالإضرابات و الإعتصامات التي يتمّ فيها الإعتداء على الأرواح و الملكيّات الخاصّة، مرورًا بعدم عدالة المنافسة و احتكار سوق العمل.
    و إذا انتقلنا لانتهاكًا آخرًا قد يضمّه القانون ضد الفرد، فهي الحقوق الخاصّة و التي تطالب بها نقابات العمّال أيضًا، فكلّما أُضيف، و لو بحسن نيّة، حقوق أخرى خاصّة لمجموعات أفراد بعينهم، أو لعمّال مهنة بعينهم، كلّما تمّ انتهاك حقوق أفراد في المقابل، فالحقوق ليست تفاح ينمو بلا شجرة، و لكنّه مقياس يناله كلّ فرد على في مساواة تامّة مع الفرد المقابل، إذن فأيّة "حقوق" جديدة لفرد أو لمجموعة خاصّة من الأفراد، أو لممتهني مهنة معيّنة، أو لجنس معيّن، دون الآخرين، هو يعدّ انتقاص من حرّيّة فرد أو مجموعة أفراد مقابلين. و كما اتفقّنا مسبقًا، فإن الحق الأساسيّ و الطبيعيّ لكلّ فرد
    “Individual Right” هو الحق في الحياة، و هذا مكفول لجميع الأفراد بغضّ النظر عن أيّة فروق بينهم، و لكن أيّة حقوق خاصّة لمجموعة أفراد ما هو إلّا ثغرات في أيّ قانون، بل و يعدّ تمييزًا صارخًا إذا تمّ تقنينه، و لذا فإنّه لا يوجد ما يُدعى "حقوق الأقليّات،" أو "حقوق المرأة،" أو "حقوق الفلّاحين،" أو "حقوق رجال الأعمال،" أو "حقوق العمّال؛" لأنّ كلّهم أفرادًا، و حقّ كلّ فرد منهم في الحياة مكفول بغضّ النظر عن أيّة مجموعة ينتمي، فمن يريد الإجتماع مع أفراد مشابهين له هو حرّ بالطبع، و لكن يدرك الفرد الحرّ تمامًا أنّ تركه لمجموعة و ذهابه لأخرى لن يكسبه حقّ جديد و لن ينتقص من حقّه القديم، فحقّ الفرد ثابت و موضوعيّ و واحد، مهما كان أو لأيّ مجموعة انتمى.***

         في نهاية الحرّيّة و القانون، يجب أن أذكر أنّني أرى عقوبة الإعدام مرفوضة كلًّا و موضوعًا من وجهة نظر ليبراليّة تقدّر قيمة الفرد، و حتى إن كان مدانًا أو مجرمًا، فعقاب فرد بالقتل هو غير مجدي تمامًا، بل عقاب مثير للسخريّة، فقد ينتحّر فرد بإرادته، و لكن أن يُقتل عقابًا لجرم مهما كان حجمه يمثّل مسح فرد ذي قيمة إقتصاديّة قد تأتي من وراءه إن تمّت عقوبته، و حتى إن استمرّت مدى الحياة، عن طريق إعادة تأهيله عقليًا، و نفسيًا، و فسيولوجيًّا، و تكليفه بعمل ينتجه من داخل مسجنه، و أنا أعتقد أنّ شركات خاصّة كثيرة ستقبل تولية جزء من عمليتها الإنتاجيّة، التي تُسمح بإنتاجها خارج المصنع، لأولئك السجناء، مع دفع الأجر له شخصيًّا، أو لعائلته خارج المسجن، أو لأيّة جهة يريدها السجين.
    و أنا أعتقد بأنّ إعادة تأهيل المجرمين هي أصلح كثيرًا، بل و أهمّ من عقابهم، بالإضافة إلى كونهم حقل تجارب خصيب لدراسة سيكولوجيّة المجرم، أو لصقل المناهج الأكاديميّة العسكريّة و مدارس الطبّ النفسي بحالات عمليّة من واقع الحياة.
    و بالنسبة للعمل، فأظنّ أنّه من حرية السجين، فقد يختار، بإرادته و بلا عنف أو قسر، ألّا يعمل و يكتفي بإعادة التأهيل، أو قد يختار ألّا يؤهّل و يكتفي بمدّة السجن، أو قد يختار أن يموت، لتصبح الموت في هذه الحالة باختياره الإراديّ التامّ.
    و أيّ استخدام لعقوبة الإعدام، أو للتعذيب، أو للعنف أراها منافية تمامًا لفرد سجين، فهو بالأساس تُنتهك حرّيّته بمدّة السجن هذه؛ لأنّه انتهك حرّيّة غيره، مدّة السجن التي أراها، بالنسبة للجريمة المرتكبة، كافية تمامًا مع عمليّة إعادة التأهيل، و العمل. و باستخدام هذه الطريقة فقد اكتسب المجرم قيم لا أظنّ أنّها توافرت فيه في الماضي، بالإضافة إلى اكتساب الأفراد خارج السجن عمقًا جديدًا لحرّيّتهم من خلال تجربة السجين في مسجنه.

         الحرّيّة الفرديّة ليست أمرًا يقبل التفاوض، أو الإستفتاء، فلا يحقّ لأيّة مجموعة، و حتى إن كانت أغلبيّة، أن تنتقص من حرّيّات الأقليّة أو تحرم فرد من حقوقه، و لذا فإنّ الحرّيّة ليست مجالًا للتبديل أو الإحلال.****


    *الحرّيّة و الدّين:

         من خلال نقاشاتي المتكرّرة مع أفراد من جيلي أو من الأجيال الأقدم، ألمس تخبّطًا واضحًأ في مفهوم الأفراد للحرّيّة، و التي أتمنّى أن تكون هذه المقالات قد أزالت بعض من الغمامات حولها، بالإضافة لاضطراب، و لا سيّما في المجتمعات الشرقيّة ذات الأغلبيّة المحافظة، في ربط الحرّيّة بالدين، و في هذا التصميم اللامبرّر لحدّ الحرّيّة بالدين، أو حتّى بالمجتمع أو القانون كما شرحنا مسبقًا، و لوأد الحرّيّة في إطار الدّين الضيّق، و لكنّ الحرّيّة لا تحدّها أطر، و الحرّيّات الفرديّة حقًّا لا تعترف إلّا بحقّ الفرد في ممارسة ما يشاء طالما لم يتعدّ على حرّيّة غيره، و في هذا يكون الدّين هو من قبيل الحرّيّة الفرديّة، و لكن لو تطوّرت الأمور و مورست باسم الدّين عنف أو قسر لصار الدّين متعارضًا مع الحرّيّات الفرديّة.
    فكما أنّ من حقّ فرد أن يشرب الخمر، فمن حقّ آخر أن يحرّم على نفسه الخمر، و كما أنّ من حقّ فرد أن يساوي في الميراث بين أبناءه، فمن حقّ آخر أن يوزّع للذكر مثل حظّ الأنثيين. و كما أنّ من حرّيّة الفرد الدينيّ أن يلتقي بأصدقائه المتدّيّنين في معبده، فحرّيّة الفرد اللادينيّ مكفولة في مقابلة أصدقائه اللادينيّين في المكتبة، و كما أنّ من حرّيّة المتديّن أن يؤدي صلواته في الشارع، فمن حقّ راقصة السترتيز أن تتعرّى بجانبه، و لكلّ أتباع.
    أودّ الضغط هنا على أنّ الدستور العلمانيّ الوضعيّ وحده، الذي تبرز فيه الحرّيّات الفرديّة، هو الذي سيكفل للدينيّين الصلاة في الشارع، و لكن الدستور الدينيّ لن يكفل بأيّة حال من الأحوال لراقصة الستربتيز بالتعرّي في الشارع، و لذا فإنّ الحرّيّات الفرديّة تكفل الدّين للمؤمنين تحت لوائها، بعكس الدّين الذي لا يكفل الحرّيّات الفرديّة للعلمانيّين، و إن استنتجنا شيئًا فهي أنّ: الحرّيّات الفرديّة أعمّ و أشمل كثيرًا من الدين، فمنظور الدّين الضيّق الذي يميّز بين الأفراد على أساس الإعتقاد غير موجود بالمرّة في سياق الحرّيّات الفرديّة، و أيّ دين، كما أشرنا مسبقًا، هو عنصريّ بطبعه؛ لأنّه يمارس تمييزًا ضد كلّ غير المؤمنين لصالح المؤمنين، الأمر الذي لن يختلف كثيرًا لو تمّ اعتماد الدستور على مرجعيّة دينيّة للتشريع.
    و لذا فليتنا نختم العلاقة بين الحرّيّة و الدين هكذا: أنّ من حرّيّة الفرد أن يحدّ من حرّيّته بنفسه، أو يتنازل عنها كلّها، بداعي الإعتقاد في دين معيّن، أو مذهب سياسيّ معيّن، أو حتى اتّباع شخصيّة معيّنة، و ليت القارئ يفهم قصدي بالدين هنا، و هو المفهوم الشامل لأيّة شئ يدين لها الإنسان، سواء البوذيّة أو الحركة السرياليّة العالميّة، طالما لم يصاحب ذلك عنف أو قسر، فإنّ من حرّيّة المتديّن أن يمنع نفسه عمّا يريد بداعي الدين، أو يتيح لنفسه ما يشاء، و لكن بلا تعدٍّ على حرّيّة فرد آخر مقابل. فقد يحرّم فرد على نفسه الإنتحار، أو تحتجب امرأة، أو يترهبن قسّ بدعوة الدين، و لهم في ذلك كامل حرّيّتهم، في المقابل الذي ينتحّر فيه آخرًا، و تسفر امرأة، و يقضي رجل أعمال ليله و نهاره في جمع المال، و لكلّ منهم في ذلك كامل حرّيّته أيضًا.
    و أنا لا أعتقد أنّ هناك أيّ دستور دينيّ في العالم يسمح بالحرّيّات الفرديّة لكلّ أفراد المجتمع، و عليه فإنّ أيّة دستور دينيّ هو معارض تمامًا و مناقض نفضًا بيّنًا لحرّيّة الفرد.

    الحرّيّات الدينيّة حول العالم

         في نهاية سلسلة المقالات هذه، لا يسعني إلّا أن أعرِّف الحرّيّة الفرديّة كما أراها، و وفقًا لما سبق على مدار ثلاثة أجزاء؛ الحرّيّة الفرديّة هي ممارسة الفرد البالغ العاقل لإرادته الشخصيّة طواعيًّة، بلا عنف أو قسر، و هي حقّ الفرد البالغ العاقل في الحياة، و التملّك الخاصّ لإنتاجه الماديّ و المعنويّ، بلا عبوديّة أو اعتداء على حقوقه الفرديّة من قِبل الأفراد الآخرين، و لا استعباده أو اعتدائه على الحقوق الفرديّة للأفراد الأخرى، تحت غطاء قانون واحد يساوي بين الأفراد البالغين العقلاء جميعًا.
    لا أعتقد أنّ كثيرين يرفضون المفهوم السابق، لأنّ رفض أيّ فرد لما سبق، أو انتهاكه لحقوق فرد آخر، تحمل بين طيّاتها السماح لأفراد أخرى بإنكار ما سبق أو بالإعتداء على حقوقه، و سبق و ذكرت بأنّ الحرّيّة الفرديّة هي غير قابلة للإستفتاء، و لذا فإنّ ما يطالب به أيّ فرد حرّ هو الآتي: قانون رادع لعقاب أيّ فرد يقوم بانتهاك حرّيّة فرد آخر تحت أيّ مسمّى أو دعوى كان هذا الإعتداء.
    و لذا، فإنّ لأيّ فرد مشروعيّة تامّة في ممارسة ما يشاء، و ألّا يقبل بأيّة مساومة حول حقوقه الفرديّة، و إن منعه مجتمعًا أو قانونًا أو دينًا، بغير إرادته، فله أن ينتزع حقّه مباشرةً من أيّة من ثلاثيّتهما، و إن لم يستطع مباشرةً فله الحقّ الكامل في الإلتفاف حول أيّة من ثلاثيّتهما لنيل حقّه من الحرّيّة، و لكن أن يرضى صاغرًا بحدود أيّ منهم هو العبوديّة في ذاتها، و حتى إن رضى طواعيًّة بحدّ أيّ منهم لحريته الفرديّة، فهو لن يغيّر شيئًا من كونه عبدًا و ليس حرًّا، فالعبد لن يضفي على صفته شيئًا إن أدرك عبوديّته أو لا.
     إيمانًا بالفرد، و بحريّاته اللامقيّدة أؤمن بما سبق.

    * Milton Friedman, Capitalism and Freedom, Chapter IX; Occupational Licensure, page 146, Chicago and London: University of Chicago Press, 1982.

    **Ayn Rand, The Ayn Rand Column, Textbook of Americanism, page 83, Ayn Rand® Institute (ARI); http://aynrandlexicon.com/  

    *** Ayn Rand, The Virtue of Selfishness, Collectivized ‘Rights, page 104, Ayn Rand® Institute (ARI); http://aynrandlexicon.com/

    ****Ayn Rand, The Virtue of Selfishness, Man’s Rights, Page 97, Ayn Rand® Institute (ARI); http://aynrandlexicon.com/

    الصور ذات مصدر مفتوح، و قابلة للتعديل و إعادة النشر.

    لقراءة الجزء الثاني من "الحرّيّات الفرديّة؛" إضغط هنا!
    لقراءة الجزء الأوّل من "الحرّيّات الفرديّة؛" إضغط هنا!
                                                                             أحمد زيدان

    1/27/2009

    الحرّيّات الفرديّة 2

    *الحرّيّة و القانون:

         اعتناق الحرّيّة كمبدأ أخلاقيّ “Moral Code” تجنّب الفرد من انتهاك حرّيّة الأفراد الآخرين أو الإعتداء على حقوقهم، و في نفس الوقت تحمي نفس الفرد من انتهاك الأفراد الآخرين لحرّيّته أو اعتدائهم على حقوقه، فمجتمع تسوده الحرّيّة كقيمة أخلاقيّة “Virtue” هو مجتمع خالٍ من حوادث الإعتداء على حقوق الغير، ليس بموجب قيود قانونيّة، و لكن بموجب قيمة هذه الحرّيّة المتبادلة بين أفراده، فالقانون لا يمنع أبدًا، أو يحدّ من، ارتكاب الفرد لجرائم الإعتداء على الآخر أو على ملكيّته، و لكن حقّ هذا الفرد الآخر في الحياة بحرّيّة و في التملّك هما ما يمنعا. و إذا استحال نظريًّا وجود مجتمع يؤمن كلّ أفراده بالحرّيّة و بالحقوق الفرديّة، فمن المستحيل هكذا إيجاد مجتمع خالٍ من الجريمة أو من حوادث الإعتداء على حرّيّة الآخر، أو انتهاك حقوقه.
    و لذا توصّلت المجتمعات الحديثة للقانون الذي يقتصّ من المعتدي و يردعه، ليس ليكون عبرًة و لكن ليسود العدل، فولا وضع القوانين و لا عقاب المجرمين سيحيلا المخالفين لعبرة بحيث يمنعا نهائيًّا من الجرائم في المستقبل، و لكن القانون هنا يمارس عدالة اتفّق عليها أفراد المجتمعات الحديثة بموجب دستور مدنيّ يساوي بين الأفراد جميعًا، و هذه العدالة، و إن غابت في زمن البقاء للأقوى، برزت في زمننا بموجب البقاء للحرّ الذي لا يتعدّى على حرّيّة الآخرين.
    العدالة، التي من المفترض أن تُمارس من قبل قضاة مختارين من قبل أفراد المجتمع، و التي تنتهك، بموجب الدستور، حرّيّة الفرد المعتدِي، و غالبًا فإنّ الفرد المعتدِي على حرّيّات الآخر هو من غير المؤمنين بالحرّيّة، و  لذا فالإعتداء على حرّيّته من قبل قانون قويّ هو عدالة لا أظنّ أن كثيرين منّا يختلف حولها.

         لا أعتقد في ثمّةوجود فرد حرّ يتقبّل قيمة "المساواة" مجرّدة من سياقها الطبيعيّ؛ و هو القانون، و لذلك فإنّ المساواة الوحيدة التي يطالب بها أيّ فرد حرّ هي مساواة جميع الأفراد تحت مظلّة القانون، بلا أدنى اعتبارات أخرى مثل الجنس، أو الدين، أو اللغة، أو الجنسيّة، أو الميول الجنسيّة، أو اللون، أو العرق.
    و إن كان من اثنين بحيث لا يعاملهما القانون باعتبارهما فردين كاملين، فهما؛ الطفل غير العامل، و المعاق ذهنيًّا، بينما تغطّي من عداهم مساواة كاملة تحت مظلّة هذا القانون، و الذي يمثّله قضاة مستقلّين غير حكوميّين.
    و أودّ التعليق على الطفل العامل هنا، لأنّه أنسب مكان لها، فبحسب الإقتصاديّ الأمريكيّ ميلتون فريدمان، فإنّ الطفل العامل هو عاقل بدرجة كافية تسمح له بالعمل مقابل أجر معلوم، باستبعاد شبهتيّ العنف أو القسر، و لذا فمعاملته كبالغ تبدو لي مقبولة و معقولة لحدّ كبير، أمّا غير المسؤولين كالطفل غير العامل، و الذي يشكّل الأغلبية العظمى من الأطفال غير البالغين، أو المعاق ذهنيًّا لا يعاملا معاملة البالغ العاقل، و قد أشرنا بهذا في صدر مقالنا السابق، "بأنّ أساس الحرّيّة هي المسؤليّة، و أساسا المسؤليّة هما العقل و البلوغ."
    و ممّا سبق، فإنّ فرض أيّة دستور يرتجع لخلفيّة دينيّة بغرض التشريع، الشريعة الإسلاميّة على سبيل المثال، يعدّ اعتداءًا صارخًا على الحرّيّات، بل و يعدّ اختلالًا شنيعًا لمفهوم الحرّيّة التي لن يكفلها القانون وقتذاك، بجانب التمييز الذي سيمارس ضد غير المدينين بدين الدولة الرسميّ، أو تلك.
    فالدستور ذات التوجّه الدينيّ هو دستور عنصريّ، عبوديّ، و ديكتاتوريّ بحيث يسمح بقمع الأفراد و انتهاك حقوقهم الفرديّة، و لذا فالدستور الوضعيّ هو حالة بديهيّة يطالب بها كلّ حرّ مهما كان توجهه أو اتجاهه، و هو ما سنلقي عليه الضوء في المقالة القادمة تحت العنوان الفرعيّ "الحرّيّة و الدّين،" فالدستور المدنيّ يكفل أمران لا يكفلهما الدستور الدينيّ، و بهما لا تقوم الحرّيّة: أوّلًا؛ مساواة كاملة لجميع الأفراد تحت مظلّة القانون بغضّ النظر عن دينهم أو اعتقادهم، و ثانيًا؛ عقوبات مدنيّة على أساس عقلانيّ لا تقبل التأويل أو التحويل، بحيث يدرك كلّ مخالف أنّ عقوبته المدنيّة تساوي تمامًا لما ارتكبه من جرم بلا إفراط و لا تفريط، و بموافقة أفراد المجتمع.
    و أنا أخال أنّ المتديّنين الذين يجادلون من أجل إحلال الدساتير الدينيّة بدلًا من الدساتير الحاليّة، يؤمنون، و لا شكّ، بيوم القيامة، إذن، فلماذا لا يتركون القصاص الدينيّ ليوم "لا ينفع مال و لا بنون،" و يكتفون بالعقوبة المدنيّة يوم "ينفع مال و بنون"؟! 

         دور الدستور لا يخرج عن تشريع القوانين اللازمة لردع المعتدين على حرّيّات الأفراد الآخرين، و ليس في منعهم من الإعتداء، فلا يوجد من أو ما يمنع فردًا نهائيًّا من ارتكاب جرم معيّن، و لا حتى القانون، و الجريمة ليست هي الطبيعة التي جبل عليها الإنسان، بل الحرّيّة، و لذا فإنّ أيّة محاولة للعب دور وليّ الأمر “Parentalism” من قبل الدولة من خلال قوانين مقيّدة للفرد، ستصبح و لا شكّ محاولة سخيفة لرأب تقصير الدولة في تتبّع مرتكبي الجرائم، و إن تمّ تقييد حرّيّة فرد بالغ عاقل واحد بداعي سلامة الأفراد الباقيين، فهو الأمر الذي سينطبق فيما بعد على كلّ أفراد المجتمع مجتمعين، بل و إنّ تلك ستبدو أيضًا محاولة للتهرّب من أداء الدولة لواجبها عن طريق تنفيذ القانون من خلال جهاز الدولة للأمن القوميّ (الشرطة)، و أنا لا أعلم حقًّا ماذا سيصبح دور هذا الجهاز إن لم يتعقّب المجرمين، و اكتفى بتقييد حرّيّة الأفراد الشرفاء أو انكبّ على مراقبتهم؟!
    و حتّى إن تمّ تقييد حرّيّة فرد أو مجموعة أفراد من ممارسة حقوقيهم الطبيعيّة من تملّك أو عقد تعاملات تجاريّة، فإن أيّ قيد يخلق طرقًا عدّةً للدوران حوله*، و كما أنّ السحر ينقلب على الساحر، فيصبح تتبّع مجرم هارب في دولة مقيِّدة للحرّيّات هو مصدر للفضيحة و مظهر للتقصير في جهاز الشرطة، بينما يصبح تتبّع مجرم، قد اعتدى بالفعل على حرّيّة الغير، في دولة أفراد و حرّيّات هو مدعاة للفخر و مظهر من مظاهر أداء الواجب المنوط به جهاز الشرطة في الدولة الحديثة. و جدير بالذكر أنّه كلّما تقدّمت الدولة و ازدهرت كلّما قلّت القيود المفروضة على الأفراد، بينما اشتدّت العقوبة حينما يتمّ الإعتداء على حقّ الآخر في الحياة أو التملّك.
    و ليت هذه تصبح شعار الدولة في المجتمعات الحديثة، "الحرّيّة تعني المسؤليّة الكاملة؛" فكونك حرًّا يعني أنّك مسؤولًا، أي بالغ و سليم العقل، و هذا يفترض معه عدم اعتدائك على حرّيّة فرد آخر، و لكن إن تمّ وقوع هذا الإعتداء، سيطول المخالف عقابًا رادعًا يساوي ما ارتكبه من جرم تمامًا.

    نظام الحكومات حول العالم 

         المجرم، لفظيًّا و اصطلاحيًّا، هو من يرتكب جرمًا، و الجريمة هي خرق لأحد بنود القانون المنصوص عليها في دستور دولة ما، و لذا فإنّ أيّ فرد حرّ سيلتزم بالقوانين التي تجرّم حالات الإعتداء على الآخر، و تساوي في ذلك بين كافّة الأفراد، و تعاقب عند وقوع الجرم فقط، بينما سيلتفّ* حول قوانين أخرى عديدة لا تتعدّى حدود ذاته، إنّه نفس الفرد الذي التزم في المثال الأوّل، بينما خالف في المثال الثاني؛ لأنّ القانون يتفقّ مع حقوقه كفرد في الأوّل، و يختلف مع حقوقه في الثاني، على التوالي.
    إذن، ماذا لو كان قانون دولة ما هو تمامًا ما في المثال الأوّل، حيث تقف حدوده تمامًا عند الفرد المجاور، فلا تقيّد فردًا، و لا تحجب من حرّيّته الشخصيّة؟! أعتقد، و ببساطة، أنّ ذلك سيزيد من صقل القانون و هيبته لدى الأفراد، و آنذاك سيولونه احترامًا و أهميّةً؛ لأنّه ينصّ على ما يؤمن به الفرد الحرّ تمامًا، فهو قانون يسمح و لا يمنع في حدود المسؤليّة الفرديّة، و أنا لم أصادف فردًا حرًّا يرفض دستورًا يمنحه حرّيّة صنع أيّة شئ، و في الحين ذاته يعاقب المعتدي على حرّيّات الغير.
    أمّا القانون في المثال الثاني، ذلك المحشو بالمحظورات و القيود اللتان تمنعا الفرد من القيام بما يشاء داخل مجاله الخاصّ** هو قانون يحكم على نفسه بالفشل، و يجيز لأفراده التعدّي عليه مع الإفلات من عقوباته، لأنّ قد يكون الإعتداء عليه لا يتعدّ مجال الفرد نفسه، و في هذا القانون الملئ بالثغرات، تنشأ الهوّة الضخمة ما بين الجريمة و الحرّيّة الشخصيّة، و تصبح حرّيّات شخصيّة كثيرة مجرّمة من قبل القانون و ليست مجرّمة حسب قناعات الفرد الحرّ.
    و لنسأل سؤالًا الآن، و نترك الحكم للقارئ؛ كم مرّة، كلّ يوم، يقوم الفرد بفعل ما في إطاره الشخصيّ الخاصّ هي في نظر القانون "جريمة،" بينما في نظره حرّيّته الشخصيّة؟؟ و في المقابل كم مرّة يعتدي فرد على حياة فرد آخر أو على ممتلكاته الشخصيّة؟؟ و لنعطِ مثالًا على كلّ حالة سابقة من مصر، فكم مرّة يتمّ فيها يوميًا تعاطي المخدّرات باعتبار أنّ بتعاطي المخدّرات لا يتعدّى الفرد على حرّيّة أيّ فرد آخر؟؟ و في المقابل كم مرّة تتمّ فيها حوادث القتل؟؟ أو نقترب من الإستنتاج بمثالين آخرين، كمّ مرّة، كلّ يوم، يقوم فيها زوج بممارسة الجنس خارج نطاق الزواج، باعتبارها مجرّمة في مصر؟؟ بينما كم مرّة تتمّ فيها حوادث السرقة؟؟ و لنصل للنتيجة الحتميّة الآن؛ فإنّ المثالين الأوّلين على التوالي يحدثا آلاف المرّات يوميًّا، بينما يندر حدوث الآخريان.
    و ممّا سبق، فإنّ القانون الذي يقيّد الفرد من ممارسة حرّيّاته الشخصيّة هو قانون فاقد لهيبته لدى الأفراد لأنّه يُخالَف من قبل جميع الأفراد يوميًا، بينما قانون لا يتدّخل في حياة الأفراد طالما لم يتعدّ الأمر حدود الفرد ذاته هو قانون قويّ يكتسب كلّ يوم احترام و هيبة الأفراد له، و حتمًا فإنّ مدى تدخّل الدولة، من خلال القانون، في حياة الأفراد يعبّر بقوّة عن مدى تقدّم هذه الدولة عن تلك في مجال حرّيّات الأفراد؛ و هذا لأنّ الإختلافات الحضاريّة بين دول العالم قائمة، و هناك حضارات تسبق أخرى بمئات السنين، و القانون ليس بمعزل عن ذلك.
    إذن، و كما أشرنا مسبقًا، فإنّ القيود، حتى و إن وُضعت، لا تمنع الفرد من ممارسة ما يريد، بل و تخلق آلاف الطرق للدوران* حولها، بل لأذهب أبعد من ذلك و أقول أنّ القوانين مهما زادت حدّة عقوبتها لا تمنع فردًا من ممارسة ما يشاء من ممارسات، بل و لا تغيّر، مهما كانت هذه القوانين، من المعتقدات العميقة في أيّ إنسان أو من قناعاته الذاتيّة، و التي ستجعله يحوم حول القانون بدوره لتنفيذها، سواء كان تنفيذها لا يضرّ إلّا نفسه، أو حتى يضرّ أفراد آخرين.
    و ما مضى ليس إلّا دعوة للحرّيّة؛ لأنّ مجتمع يتمّ الإعتداء فيه على فرد واحد، تصبح معه حقوق الأفراد الآخرين غير مصونة، و ما مضى لم يكن إلّا مجرد معطيات لإثبات عجز القوانين الرادعة، أو أيّة قيود أخرى، على منع الفرد من ممارسة ما يشاء، مع الأخذ بالإعتبار أنّ الجريمة ليست هي الأساس، و أنّ الإعتداء على الآخر ليست هي القاعدة، و من الأولى حينذاك أن يتمّ حصر القانون في ردع من يتعدّى على حرّيّة الآخر ليكون قصاصًا عادلًا، و ليس أكثر.
    و إذا كان هنالك من قارئ، بعد كلّ ما تقدّم ذكره، لا يزال يعتقد بأنّ القانون هو الذي يمنع الفرد من ممارسة الجريمة، فلنعطِ مثالًا باستخدام أبشع جريمة يمكن أن تُرتكب في حقّ فرد، و هو حقّ الحياة، و نرى مدى قابلية القانون لمنع حدوثها؛ فلنفترض ثلاثة مشاهد للتدخّل من قبل الدولة، باستخدام سلطة القانون، لتوقيف جريمة قتل من الحدوث: المشهد الأوّل، متجر ضيّق لبيع السكاكين و المعادن و عمليّة بيع اعتياديّة جارية، و من ثمّ المشهد الثاني، فرد ابتاع سكّينًا من المشهد الأوّل و يجلس في منزله، و من ثمّ المشهد الثالث و الأخير، جريمة قتل، حيث يتعدّى الفرد الكائن في المشهد الثاني على حقّ صديقته في الحياة، و يذبحها باستخدام السكّين المبتاعة في المشهد الأوّل. انتهى المثال، و بعد توجيه سؤال لأكثر من عشرين حاضرًا تواجدوا معي قبل شهر في محاضرة عن "الحقوق الفرديّة" في جمعيّة طلّابيّة بكليّتي، اتفق كافّة الحاضرين بالإجماع على أنّ دور الدولة ينحصر في المشهد الثالث، أي بعد وقت وقوع الجريمة، و ليس في إغلاق متاجر السكاكين أو المنع الجبريّ لبيع السكاكين للأفراد الأحرار في المشهد الأوّل، و لا حتى في مراقبة المستهلكين في منازلهم بعد إتمام عمليّة البيع في المشهد الثاني، بل أنّ المقبول و المعقول هو التدخّل في المشهد الثالث بعد وقوع الجريمة، و ذلك لثلاثة أسباب، أوّلًا؛ لأنّه في المشهد الثالث فقط يكمن دور القانون و ليس في أيّة مشهد سابق، فلا يحقّ للدولة منع أيّ فرد حرّ من القيام بما يشاء طواعيةً مادام لم يتعدّ على حرّيّة فرد آخر. ثانيًا؛ لم يكن أبدًا الذبح باستخدام السكّين، و لا حتى القتل العمد باستخدام المسدّس، الطبيعة في الإنسان، و أنا أؤكّد أنّ كلّ قارئ لهذا المقال يمتلك سكّينًا أو أكثر، و لكنّه لم يستخدمها للذبح قبلذاك، و هذا يؤكّد أنّ الحرّيّة، و ليست القيود، هي طبيعة الإنسان، تمامًا كما أنّ عدم القتل هو الأمر الطبيعيّ مقارنة بجرائم القتل. ثالثًا؛ لأنّ أيّة محاول "لمنع" أو "تقييد" بيع السكاكين، أو حتى لمحاولة "مراقبة" حاملي السكاكين، ستقابلها طرقًا عدًّة للدوران حولها، و هو ليس أمرًا غريبًا البتّة، و للتأكّد من ذلك، ليس عليك إلّا أن تتأمّل سوق بيع المخدّرات أو السلاح في مصر، و تقول لي هل كان ليتغيّر الموقف كثيرًا إن لم تكن هناك قوانين تحظر بيعهما؟؟ أنا أعتقد أنّه لا اختلاف على الإطلاق، فليست للقوانين المقيّدة أدنى فائدة، بل و تساعد إزاء مخالفتها، و الإفلات منها، على النيل من قيمة القانون ككلّ، بما في ذلك وقتما ارتكاب جريمة حقيقيّة بالتعرّض لممتلكات الغير.
    و باستبدال بسيط لعناصر المثال، فقد يكون متجر السكاكين متجرًا لبيع الأسلحة، أو لبيع الخمور، أو حتّى لبيع المخدّرات، و سنصل لنفس النتيجة، و لا شكّ في هذا.

     Any restriction creates ways to get around it *

    Within your sphere of your own rights, your freedom is absolute ** 
    Ayn Rand, The Ayn Rand Collection, Textbook of Americanism, page 85, Ayn Rand® Institute (ARI); http://aynrandlexicon.com/

    الصورة ذات مصدر مفتوح، و قابلة للتعديل و إعادة النشر.

    لقراءة الجزء الأوّل من "الحرّيّات الفرديّة؛"
    إضغط هنا!

                                                                   أحمد زيدان

    1/22/2009

    الحرّيّات الفرديّة 1

         الحرّيّة “Liberty” هي قيمة شاملة تحوي عدّة استقلاليّات “Independences”، بداية بالإستقلاليّة الفسيولوجية التي تستهلّها رأس الجنين منذ المهد، و لعلّ هذه الرأس بالتحديد هي التي ستنتزع آخر الإستقلاليّات لنيل حياة الحرّيّة حتّى اللحد: الإستقلاليّة الفكريّة.
    فالإنسان ينمو، و ينفش ريش التبعيّة باطّراد من خلال حاسّة غريزيّة نحو البقاء متوطّدة في كلّ عاقل: الحرّيّة. و لا غبار على ذلك لدى كافّة الكائنات.
    يكتسب الفرد استقلاليّات جديدة باطّراد مع مرور الزمن، و تزيد عمق و اتّساع استقلاليّاته القديمة، بل و تحتّد رغبته فيهم و تشتّد مطلبه عمّا سواهم؛ ليكتسب ثاني ما يكتسب، بعد الإستقلاليّة الفسيولوجيّة، الإستقلاليّة العقليّة، أي يكون عقله كاملًا قادرًا على التمييز، لتؤهله هذه فيما بعد لمحوريّ حياته: الإستقلاليّة الماديّة، و من ثمّ الفكريّة.
    و إن كانت الحرّيّة كقيمة يُشتقّ منها تعريف الفرد نفسه
    “Individual” في السياق الحضاريّ الحديث، بعد انقشاع أزمنة العبوديّة بلا رجعة، فكأنّ الفرد بنيله للحرّيّة الكاملة يستعيد شجرة تطوّره الحضاريّ عبر ملايين السنين في ستّة عشر عامًا، أو أقلّ، حتى وقت بلوغه تمامًا. و علاوةً على ذلك، فإنّ الإستقلاليّة الماديّة تسبق الفكريّة و لاشك؛ لأنّ الفرد لا يجنح للفكر إلّا بعد إشباع حاجاته كاملةً، و التي توفّرها الإستقلاليّة الماديّة، و هو ليس بمعزل في هذا الصدد عن الإنسان البدائيّ الذي لم يستخدم عقله في بناء الحضارة الحديثة إلّا بعد إشباع حاجاته الأوليّة، و لهذا سبقت الحضارةَ الصناعيّةَ، الحضارةُ الزراعيّةُ و التجاريّةُ في كلّ أنحاء العالم المتحضّر.
    و إنّ كان البلوغ و العقل هما الشرطان الرئيسيّان اللتان تقودان للحرّيّة كقيمة أساسيّة و نهائيّة يستكمل بها الفرد كيانه النهائيّ اصطلاحيًّا و عمليًّا، فإنّ الحرّيّة الفردية
    “Individual Liberties” للفرد، و لكلّ فرد على حدة، هي الشرط الرئيسيّ لتوالي الحرّيّات الإقتصاديّة و السياسيّة لمجموعة أفراد تجمعهم دولة واحدة، و من هذا المبدأ سوف نناقش حقوق الفرد الطبيعيّة “Natural Rights” المتمثّلة في حرّيّاته الفرديّة، و التي تنطبق على كلّ فرد بالغ و عاقل على حدة، بلا أدنى تمييز لأيّ سبب كان.

    Free individual as the basic unit for a free society
     

         الفرد، و أسرته، هو وحدة المجتمع الرئيسيّة، و أصغر أقليّة في تركيب المجتمع التشريحيّ، و مجتمع ينبذ، أو يتجاهل، أو يميّز ضد أقليّاته هو مجتمع غير حرّ، و حتى إن بدى عكس ذلك.
    نتيجة واحدة لما أسهبنا في ذكره الآن: أنّ باستكمال الفرد لاستقلاليّته الفسيولوجيّة، و من ثمّ العقليّة، و من ثمّ الماديّة، و من ثمّ الفكريّة، يصير فردًا حرًّا، و إن لم، فهو لم يزل عبدًا، و لم يرتقِ بعد لما ارتقاه أسلافه من غاية القيم و أسماها: الحرّيّة.

         الحقّ الرئيسيّ “Fundamental Right” لأيّ فرد هو حقّ الحياة “Right to Life”، و من ثمّ تملُّك ما ينتجه هذا الفرد خلال حياته من منتجات أو أفكار “Property Rights”، و لا شكّ بأنّ الحياة و المِلكيّة، الماديّة و الفكريّة، هما أساسان الحقوق الفرديّة جميعًا “Individual Rights” و اللتان تندرج تحتهما كلّ و أيّ حقّ آخر؛ لأنّ فرد لا يتحكّم في حياته، و لا يملك ما ينتجه هو عبد “Slave.”
    أمّا الفرد الذي له حقّ التحكّم بحياته، و بممتلكاته هو الفرد الحرّ الذي نتطلّع إليه من خلال مقالاتنا هذه، و لتكن التزام الفرد بالحقوق الفرديّة هي حماية كافية له ضد كلّ الأفراد الأخرى.
    أودّ أن أختم هذه المقدّمة بتعريف الحياة، هذه الحياة التي هي الحق الأوّل لكلّ فرد على حدة، فالحياة، بحسب الفيلسوفة الأمريكيّة آيان راند، هي عمليّة حفاظ ذاتيّ (قد تكون نفسها غريزة البقاء التي أشرنا عنها قبلذاك) و إستهلال ذاتي للأفعال*.


    *الحرّيّة و المجتمع:

         المجتمع ليست هذه الهالة المقدّسة التي تضفيها لفظته بديهيًا، فهو اصطلاحيًّا مجموعة أفراد يعيشون في نفس الزمان و المكان، و هي بذلك لا تحمل بين طيّاتها أيّة أبعاد أخرى، غير توصيف لحال أفراد يتعايشون مع بعضهم الآخر، و الكلمة نسبيّة جدّ، فقد تصير، مع هذا، المدرسة مجتمعًا، و النادي مجتمعًا، و المصنع مجتمعًا، و المدينة مجتمعًا، و الدولة مجتمعًا، بل و مجازًا تطلق لفظة المجتمع الغربيّ أو المجتمع الدوليّ.
    و المجتمع ككلمة لا تكفل، أو تمارس، في ذاتها أيّ تمييز سواء معنويّ أو ماديّ ضد الأقليّات، بل الفرد، و هي لا تنتج أو تقدّم أيّة منتجات أو خدمات، بل الفرد، و هي أيضًا لا تشكّل فكرًا و لا توجّهًا و لا ثقافة في ذاتها، بل الفرد – أي أنّها خاوية من أيّة معنى إلا ما يضفيه عليها الفرد بإرادته و توجّهه، و لذا فالمجتمع المتقدّم هو ليس إلّا أفراد منتجين، و المجتمع المتخلّف ليس إلّا أفراد خاملين.
    و بالتالي فقد نستخدم اللفظة مجازًا للدلالة على مجموعة أفراد، و لكن بغير الإشارة إلى ثقافة مشتركة، أو مؤثّر واحد، أو محرّك جماعي، لأنّ كلّ فرد هو مصدر ثقافة نفسه، و هو المتحكّم في مدى استجابته للمؤثّرات من حوله، و لا سيّما في ظلّ هذه التقنيّات التكنولوجيّة الحديثة التي نحياها الآن و التي تسهّل على كلّ فرد التعرّض لمؤثرات لا حصر لها قد تختلف البتّة عن فرد مقابل يحيى في نفس المجتمع، بخلاف المجتمعات البدائيّة الذي كانت السيطرة فيها على الأفكار و المعتقدات شبه مركزيّة. بل و أنّ الفرد نفسه محرّك نفسه، نظرًا لغريزة البقاء عن طريق إشباع الحاجات التي تحرّك كلّ فرد حرّ.
    أودّ عرض استنتاج مهمّ من هذا المقطع الأخير: حضارة العالم تتّجه في اتجاه مجتمعات فرديّة
    “Individualist Societies” يكون فيها الفرد هو النواة الرئيسيّة للمجتمع، و حرًّا داخل مجاله الخاصّ**، و يمتلك فيها الفرد حياته و إنتاجه الماديّ و الفكريّ، أينما تتشكّل علاقاته مع الأفراد الآخرين عن طريق التبادل الحرّ المباشر “Voluntary Exchange”، برعاية قانون يساوي بين جميع الأفراد في حقوقهم الفرديّة، أو قد نطلق على هذا النوع من التبادل: التعاون عن طريق المنافسة و التبادل الإراديّ*** و التي ناقشناها في مقالات سابقة.

    Individual liberties as the priors for further economicals and political freedoms



         الحرّيّة التي ترسم بانتظام حدود العلاقة بين الأفراد داخل مجتمع ما، بشقيّها الإيجابي الذي يكفل لكل فرد حرّيّة مطلقة داخل مجاله الخاص**، و السلبيّ الذي يحتّم على المؤمن بالحرّيّة احترام المجال الخاصّ للفرد المقابل. فمفهوم "أنا حرّ" له ثنائيّة دلاليّة؛ ففي المعنى القريب تنطبق المفهوم عليّ شخصيًّا، و في المعنى البعيد تنطبق على شخص مقابل لي تمامًا يردّد نفس الكلمة ضمن مجتمع حرّ يتداخل فيه الفرد باختياره الحرّ

    “Voluntary Contract” مع أفراد آخرين، أو لا يتداخل، تمامًا كدوائر متداخلة “Overlapped Circles”، مركزها النفس “Self” و مجال تداخلها مع دوائر أخرى قد يكون لمصلحة مباشرة ماديّة أو معنويّة “Self Interest”، أو لأيّ سبب آخر تحت مسمّى أيّة قيمة نسبيّة بين الأفراد المتداخلين كالحبّ “Love” أو الصداقة “Friendship”، و أمّا عمق التداخل فهو نابع من إرادة كاملة من هؤلاء الأفراد المتداخلين “Free Will”
    Voluntary contracts between the individuals within a free society
     

         و لتكن العلاقة بين الأفراد في مجتمع حرّ تكتمل بهذا المفهوم: "حرّيّتك في تحريك قبضة يديك تقف تمامًا عند حدودي****،" و هو المفهوم الواسع الذي سيشكّل فيما بعد طفرة هائلة المدى على السلوك الإنسانيّ، بل و تندرج تحته كافّة القيم الأخلاقيّة للفرد الحرّ “Virtue”.
    فالحرّيّة المطلقة داخل مجاله الخاصّ**، هي نسبيّة جدّ عند تداخل هذا الفرد مع أفراد آخرين، بمعنى آخر؛ فأنت حرّ، أوّل ما تكون حرًّا، على نفسك، و من ثمّ على مالك أو ممتلكاتك الشخصيّة، و من ثمّ على إبداعك الفكريّ؛ فكونك حرًّا تعني أنّه في إمكانك الإنتحار، و لكن ليس في قتل فردًا آخرًا. و كونك حرًّأ تعني أنّه في إمكانك العمل بدون أجر طواعيةً، و لكن ليس في إجبار فرد آخر، أو استعباده، للعمل بدون أجر. و كونك حرًّا تعني أيضًا أنّه في إمكانك عرض إبداعك الفكريّ بلا حظر للنسخ أو النشر، و لكن ليس في سرقة عمل إبداعيّ آخر محفوظ
    “Copyrighted.”
    و الحرّيّة آنذاك تشمل حرّيّة الإعتقاد، التفكير، التعبير، أو الإعلان الجهريّ عن هذه الأفكار و المعتقدات، أو حتى في التبشير على مرأى و مسمع من المجتمع
    “Preaching”، مادامت لم تصاحبها عنف أو قسر.
    و قد نستلخص ممّا مضى أنّ المجتمع ليس الذي يمنعك من ممارسة القتل أو الإعتداء على ممتلكات الغير، و لكن حقّ الغير في الحياة و التملّك هما اللذان يمنعانك. فحرّيّة أيّ فرد، و كلّ الأفراد مجتمعين، غير مصونة في مجتمع يتمّ الإعتداء فيه على حرّيّة فرد واحد، أو كلّ الأفراد مجتمعين. و على الفرد احترام حقّ الآخر في الحرّيّة إذا أراد أن يحيا هو نفسه بحرّيّة.
    إذن، فالحرّيّة التي تكفل هذا النوع من الرقيّ في التعامل الإنسانيّ بدون عنف و لا قسر، هي الحرّيّة التي تشعر معها أنّك فردًا و ليس عبدًا، و أنّك المتحكّم الأوّل في مصيرك بإرادتك الحرّة
    و ليس طرفًا خفيًّا آخرًا.

     

    *Life is a process of self-sustaining and self-generated action
    Ayn Rand, The Virtue of Selfishness, Man’s Rights, Page 93, Ayn Rand® Institute (ARI); http://aynrandlexicon.com/ 

    **Within your sphere of your own rights, your freedom is absolute
    Ayn Rand, The Ayn Rand Collection, Textbook of Americanism, page 85, Ayn Rand® Institute (ARI); http://aynrandlexicon.com/

    ***Cooperation throughout competition and voluntary exchange

    ****Your freedom to move your fist is limited to the proximity of my own chin

                                                                                                                أحمد زيدان