![]() |
|
Spaces home Sir Zidan MirrorProfileFriendsBlogMore ![]() | ![]() |
|
August 16 عندما تمارس الآلهة الجنس![]()
August 12 حيوانات أيامنا 34
ما أكثرهم! ما أكثر حيوانات أيامنا! كل يوم أقايل حيوانات جديدة، أتعرف على أدمغة جديدة، أشكل أفكار جديدة، أسطر حروف جديدة، و أخلط ألوان جديدة. هذا المخ الحيواني الذى أحويه امتلئ عن آخره، فقرر التخلص من كل شئ بطريقة أكثر حيوانية و أماناً. فجاء إلى هنا و ملأ المدونة أصباغاً و أحباراً، كلاماً من الماضي، و أسئلة عن المستقبل. 1 - تسألني إحداهن، محمود درويش مات؟! 3 - تسألني إحداهن، هل تصل أنت لهذه اللحظات الومضية التي تحدثنا عنها، حقاً، أم أنه فقط مجرد حلم؟! * أجزاء سابقة: أحمد زيدان August 10 رسالة من قارئة "اكتب لك ليس سؤالاً لحيوانات ايامنا ولكن لارسل تحياتى لعقل مفكر وواعى ويسبق رفقاء زمنه بكثير واريد ان اشيد بأسلوبك المميز جداَ وثقافتك وقدرتك الرائعة فى التعبير عن افكارك
"لا استطيع انكار تعرضى للصدمة من وقت لآخر وأنا اقرأ لك مدونة او الاحظ حالتك على الفيس بوك... ليس ذنبى فانا نشأت فى مجتمع يكره الصراحة ويقدس الكلمات التى تحمل الف معنى وتربيت على قراءة مابين السطور...
"على اى حال ..بالتوفيق واتمنى ان ياتى اليوم الذى تكون فيه كتاباتك محاضرات تلقيها لتصدم عقول المزيد وتعيدهم للصراط بعيدا عن طرقنا الملتوية وكلماتنا المطاطة الجوفاء والهاماً لمبدعين احرار.
"شكراً
نورهان." الرسالة، و على بساطتها، إنما أعتز بها كثيراً، حقاً، فهي أجمل ما يتلقاه كاتب من هدية في حياته، سواء كانت رسالة نقد أم إعجاب. شكراً جزيلاً لكِ، سيدتي - هذه هديتي. * ملحوظة بسيطة جديرة بالذكر؛ و هي أن هذه السيدة صاحبة الرسالة قد نشرت مقالاً عن مدونتنا، بعنوان "تريد أن تعرف شخصاً؟؟ إذن غوص في عقله،" على صفحتها على موقع الفيسبوك، و نظراً لخصائص السرية التي وضعتها على مقالاتها، فقد نقلت الإدراج بالكامل على صفحتنا على الفيسبوك. لقراءة المقالة: إضغط هنا. أحمد زيدان August 08 حيوانات أيامنا 33 ما أكثرهم! ما أكثر حيوانات أيامنا! كل يوم أقايل حيوانات جديدة، أتعرف على أدمغة جديدة، أشكل أفكار جديدة، أسطر حروف جديدة، و أخلط ألوان جديدة. هذا المخ الحيواني الذى أحويه امتلئ عن آخره، فقرر التخلص من كل شئ بطريقة أكثر حيوانية و أماناً. فجاء إلى هنا و ملأ المدونة أصباغاً و أحباراً، كلاماً من الماضي، و أسئلة عن المستقبل. 1 – تسألني إحداهن، كلامك يبكيني يا زيدان؟! * أجزاء سابقة: أحمد زيدان August 05 الفصل الأول: كأسان في نخب كوكب الشرق في ذاك اليوم الصيفي المعتدل، أنهيت عملي بوحدة "أمراض النساء و التوليد" في كلية الطب بقصر العيني، و خرجت بعد الثانية ظهراً بقليل، و استقلّيت سيارتي الفيات الخضراء حتى منزلنا الكائن بشارع 7 في المعادي.
لم تكن أبداً شوارع مصر مزدحمة سواءاً في هذه الذروة، أو حتى في ليلة الخميس من نهاية الأسبوع، بل كان كل شئ هادئ و أخضر و جميل، و دائماً ما شدّ انتباهي مشهد الحب على ضفاف النيل حول الكوبري الخشبيّ بالملك الصالح، و كنت كلما في حالة مزاجية جيدة، أقف و أستنظر هؤلاء العاشقين و العاشقات بالزي المدرسي، خاصة قبالة نهاية الأسبوع، بعد انتهاء مواعيد المدارس التوجيهية... لا أدري حقاً إن كانت شوقاً لحب مثل التي يعيشونها هؤلاء الصغار، حتى و إن عازته الخبرة و المسؤلية، و حفّه الطَيش و اللامبالاة، أو كانت حنيناً لامرأة لم تتجلّى بعد، و لم تملأ فراغات حياتي المعنوية الفاغرة بكيان محض يمتزج بسائل وجودي الشاب، و تقضي على مثل هذه الفراغات للأبد. على أيّة حال، كان اليوم في مبتدى الإجازة الصيفية تقريباً، و العاشقين و العاشقات قد يكونوا في أمكنة أخرى غير كورنيش الظهيرة بنسماته العليلة. في السابعة و النصف مساء ذات اليوم، كنت على كرسي خشبي أمام إحدى أركان خمّارة حنّورة القابعة في منتصف حارة زغيب القاهرية العتيقة، و هي حارة صغيرة بين العتبة و التحرير، منحنية قليلاً من ميدان مصطفى كامل، لم تطل انتظاري، حتى طلّ بعد دقائق صديقي و زميل الطفولة، شفيق أنيس. إنه دائماً ما كان ملتزماً بمواعيده كنصل سيف حاد. ليبادرني أثناء السلام؛ - سعيدة. - سعيدة عليك. - جبت التذاكر؟ - أينعم! - فين؟! - في الحفظ و الصون. - خد يا سيدي العشرة جنية. (و مدّ يده، و التقفت منه أنا الورقة، و أعطيته التذكرة.) - على 8؟ - 8.30 - لازم نشرب بسرعة عشان نلحق. - و هو كذلك! طلبنا كأسين ويسكي مصري، و من ثمّ كأسين براندي، و شربناهم، و أطرقنا قليلاً، كلٌ منّا يحاول شحن بعض من الترف الحسّي على اللحظات من آثر الشراب. الحق يقال؛ لم تعد تربطنا أنا و شفيق مواعيد كثيرة هذه الأيام سوى حفلة كل شهر أو أطول، و لا نلتقي بينهما أبداً، و شفيق بالمناسبة هو صديق المراهقة منذ أيام مدرسة ميت غمر الثانوية، و هو اشتراكيّ شديد المراس، رغم يهوديته المحافظة، و رغم هجرة عائلته إلى إسرائيل فيمن هاجروا بعد انقلاب يوليو، بينما جلس هو ها هنا، و لا أدري حقاً هل حبّاً في مصر، أم إيماناً بعبد الناصر، أم أمراً ثالثاً قد نفرد له مساحات في فصول أخرى قادمة. ورث شفيق متجرين للمجوهرات؛ أحدهما في المنصورة، و الآخر في الأسكندرية عن والده أنيس شلهوب، الأخ غير الشقيق للممثل عمر الشريف، و كان قرائياً متديناً لحد كبير. فيما أنا على النقيض تماماً، من حيث خلفية عائلتي التي حسبوها بعدئذ إقطاعية، و كانت الكلمة مبرراً كافياً لسرقة كل ما نملك، مما دفعنا للهروب لفرنسا من بطش و استبداد ناهبي الثورة و مزوِّريها و ملفِّقيها في أعقاب اندلاعها، و بينما بقيت عائلتي في عاصمة النور، عدت أنا مرة أخرى للظلام بعد سنتين؛ كي ألتحق بكلية طب قصر العيني حسب وصية جدي المرحوم عدلي بك وفيق، و هو من خريجي طب قصر العيني قبل انضمامها للجامعة المصرية، و كان الطبيب الخاص للملك فؤاد الأول حتى وفاته عام 1936، و كان فيزيوقراطياً صارماً يؤمن بأن الثروة لا تستمد إلا من استصلاح الأراضي، و تطويرها، و هو من أول المرتحلين من العاصمة إلى الدلتا للتوسع في استصلاح الأراضي و زراعتها، و كان يلاقي دعماً هائلاً من الملك، و في نظرته الإقتصادية هذه، كان يبدو و أنه متأثراً لحد كبير بسنين الطفولة التي قضاها في ريف فرنسا، متطلِّعاً على قراءات من أمثال فرانسيس كوينساي و بيير صامويل دو بونت. وقت عودتي للقاهرة، بعد عزل محمد نجيب عزلاً مهيناً عن السلطة من قبل هذا الباطش المستبدّ، حيث لم يعد نجيب الواجهة البرّاقة لتطلعات و تحرشات المحتال الأكبر لنهب مصر، لم أجد أيّ آثر لأملاكنا المتبقية، و لا قصورنا، و لا أراضينا تحت لواء الثورة المشؤومة، حيث أننا في الأساس لم نأخذ جزءاً كبيراً عند هروبنا لضيق الوقت مقارنة بهول الأملاك، حتى و إن تحولت لأموال سائلة آنذاك. و في أثناء السنتين اللتين مكثتهما في باريس اكتسبت كثير من القيم الغربية الديمقراطية، و كنت ألعن هذا الإنقلاب الذي أطلقوا عليه ثورة، و من قاموا به، و الشعب الذي آمن بمن قاموا به، طوال الوقت. في الحين التي لم يكتسب فيها شفيق أي تغيّر كبير، فهو مايزال ناصرياً قومياً. و لذا لم تكن بيننا ثمّة حكايا سياسية البتّة، فهو يدري رأيي مسبقاً، و أنا أيضاً، أعرف جيداً ما تصبو إليه طموحاته. خرجنا في اتجاه التحرير، و لم ننبس بأيّة كلمات أخرى إلا عندما دفعنا حساب الشراب في حنّورة. كنا نحاول جاهدين التثبّت على ما وصلنا إليه من مقدمات السكر حتى تصطلنا الست، و نسكر تماماً إزاء عالمها الملئ بالخبايا و الطرب. وصلنا أمام دار سينما قصر النيل في الثامنة و الثلث تقريباً، و لم تكن ثمّة زحام شديد، إلا من سيارات مرسيدس كثر توقفت بالقرب من الدار، و ثلاث عربات إذاعة زرقاء ضخام يستعد كلُّ من فيها على قدم و ساق لبدء البث الإذاعيِّ التي تستمع لها في نفس الآن مع الحشد الكبير التي تفوق الخمسمائة حاضر، ملايين تسعون على أقل تقدير من أقصى الشرق الأوسط لأقصاه عبر إذاعتنا المصرية التي شوّه اسمها هذا ناصر المهانة إلى إذاعة الجمهورية العربية المتحدة. فنحن ولدنا يوماً فوجدناها مصراً، مصر الفخامة و التاريخ، و استيقظنا آخراً فوجدناها عزبة، عزبة ما سمّوهم العامة وقتذاك "رجالات الثورة،" و لا هم كانوا رجالات، و لا هي كانت ثورة، و استيقظنا ثالثاً فوجدناها جمهورية عربية متحدة، و لم نكن عرباً، بل و لم نكن متحدين في شئ، و استيقظنا رابعاً فوجدناها نجسة، بنكسة مهينة لم تلوث صفحات تاريخنا قطّ، فهاجر من هاجر، و هرب من هرب... و علم من رُقم في جُبِّ وطنه ثَكلاً أنه لا قيمة لإنسانيته، و لا جدوى لوجوده، بل و لا مستمع لنحيبه إلا غياهب المعتقلات و لا لعويله إلا دروب السجون التحأرضية. فلم يعد يهتم أحداً اهتماماً بالغاً، سواءاً برغبتهم في النجاة، أو غصباً عنهم بالموت داخل أنفاق مظلمة سحقتها الرطوبة، و طغت عليها دودٌ و جثثٌ هامدةٌ. دخلنا فوجدنا القاعة قد امتلأت عن آخرها، و لم نجد إلا كرسييّن على يسار المسرح بالقرب من مذيع الإذاعة، اتجهنا إليهما صامتَين، كلٌ منّا يحاول الحفاظ على الإتزان النفساني التي وصلها من آثر الشراب. جلسنا، و قد سمعت بعض كلمات مذيع الإذاعة، و لكنّي لم أحاول إجهاد نفسي بالتركيز أو التفكير حتى لا أخسر عمق اللحظات حتى تنشد الست ما سوف تنشد. و بعد قليل سمعت همهمات رجال، و تنهدات نساء بأن الوصلة الأولى هي "بعيد عنك." رفعت الستار في الثامنة و النصف تماماً، و غطّى التصفيق على بداية الموسيقى، حتى انتهى و عاد إليَّ اتزاني المنتشيّ، و إلى شفيق الذي كان هائماً قليلاً من آثر الشراب، أمّا الجزء الأكبر من هيامه فهي تكمن في محاولة الشارب التحليق خارج أبعاد الزمان. لا أدري حقاً في أينما عقلي آنذاك، و لكن أرقى شرفات الحالات الشعورية قد تتوجك فيها هذه الكوكب الكروانية الأصيلة، و الشراب أيضاً. إن أم كلثوم ليست فقط أسطورة في تاريخ الغناء العالمي، و لكنها أسطورة في تاريخ كوكب الأرض لن يصدق عقلاء القرون القادمة بعد مائة أو مائتين عاماً من الآن في أنها كانت بشراً موجود بيننا حقاً، تماماً مثلما لا يصدق الآن البعض في عدم جدوى فكرة وجود إله لقدم الفكرة و زوالها، فصارت استحالة استلهامها أمراً مسلّماً به، و عصيانها على إقناع العقل البشري الحالي قد باتت أسهل و أسهل بتقدم الزمن. إنني أرى أم كلثوم الآن من هذه الركن من هذه المسرح الكبير في هذه التوقيت تحديداً من هذه الزاوية الشرقية الشمالية من الكرة الأرضية، و قد يؤمن في كلامي الأجيال القادمة أو لا، و لكنّي فخور باللحظة و بكون حيّز وجودي فيها حاضراً بكامل وجوده، تماماً مثلما حواريّو النبي عيسى و فخرهم بوجودهم إليه، بل و كتابتهم كتب مقدسة بعد ذلك لشرح كل ما رأوا من سُنّته، أو سمعوا عنها، لتستمر في وراثتها الأجيال المتعاقبة حتى تنتهي فكرة الحياة، أو ترث الأرض مخلوقات أخرى. ثمّة أعمال بشرية من أمثال أم كلثوم، شكسبير، نيوتون، آينشتين، جبران خليل جبران، موتسارت، بيتهوفين، فيروز، بيتلز، بينك فلويد، و محمد عبد الوهاب، قد فاقت في عمقها كل حدّ، ففاقت قداستها حدّ قداسة الكتب السماوية؛ فكون الكتب السماوية إلهية يكسبها كثيراً من الإعتيادية، أمّا أعمال بحجم هؤلاء مع بشريتها هي بذاتها مكمن الإعجاز، و لا يعدّ هذا بأي حال من الأحوال تحقيراً من شأن الإله، و لا تأليهاً لشأن هؤلاء، و لكن بكل بساطة: إنما أعمال هؤلاء هي بشرية خالصة، لا ثمّة وجود ليد إلهية فيها قد تُفقد للمعجزة قيمتها البشرية، و آنئذ فقط تكمن القداسة، فهي في مثل هذه الحجم - و لكن صنعة بشريّة خالصة. " خد من عمري، عمري كله، إلا ثواني أشوفك فيهم؛" هذه الجملة بالذات تبرز كم المعاناة التي تعانيها هذه السيدة حتى تحظى بلحظات معدودة مع الحبيب المفارق، لحظات فقط، و بعدهم الموت، أو تتخللهم الموت، لا يهمّ! و لكن ما يهمّ حقاً أن تحظى بهذه اللحظات. و إن كان طبيعياً أنَّ أم كلثوم لم تعانِ من كل روائعها فعلاً، فنحن عانيناها بوقع كل كلمة، و عانَينا من كل نفس طربيّ، و استغرقتنا بكامل وجودنا بطول الأغنية، جميعاً. استمعنا لها، فاستمتعنا بها، و توطّنا بين جنبات اللحن هائمين على وجوهنا، حتى انفضّت اللحن، فانتفضّ كلٌّ منّا إلى عالمه الخاص، و لكن بقيت أم كلثوم خالدة في مكانتها، و بقيت كلماتها عاملاً مشتركاً بين عوالمنا كافة، و بقيت اللحن جزءاً من تركيبنا الماديّ البحت، حتى بعد مُضيّ السنين، و الهجرة. وجعتنا جميعاً جملة "الشوق... آه من الشوق،" فتأوه أم كلثوم ليس كتأوهنا، بل أشدّ تأوهاً، إنه فيه العذاب، و الحسرة، و القوة، و الضعف، معاً، إن آهة أم كلثوم ليست كفيلة فقط بدعوة الحبيب إلى كل ما يشتهي من جنان الأرض، بل بشدِّنا بطاقة كهرومغناطيسية تفوق أشدّ المجالات جذباً إلى حيثما "عالم حنجرة أم كلثوم." "ياما، ياما بداريها ياما... ياما بحكيها ياما؛" انفرط كلُّ الطرب من بين عقد هذه الجملة، فقد أعادتها الست أربع مرات، مرة بتشديد ياء "ياما" و مرة بتمديد ألفها، فسقطت عنّا جميعاً لباس الوجود، و حتماً تهافتنا على مكان ليس بأرضياً – هذا المكان لا يكن، و لا يصحّ له أن يتموضع إلا في حنجرة أم كلثوم، التي و إن وصفت بأنها إلهية، لعجزت الوصف عن شمل الموصف، و حلّق الموصف من تحت مخالب الوصف إلى عوالم لا توصف إلا بالحواس. اغتالت أم كلثوم قلبي اغتيالاً تاماً عند جملتها الطربية القاتلة "و العمل... إيه العمل... متقوللي أعمل إيه؟؟" إنها ليست فيها فقط أسباب الموت، بل كل أسباب الحياة. انتهت الأغنية و لكن لم تنتهي أبداً لذّة الطرب التي كثيراً ما تشبه نشوة جنسية مستمرة بطول الأغنية. انتهت الأغنية، و لكنّي ظللت أسير مقعدي، و حولي شرر حاد تتطاير من تصفيق جنوني من جانب كل السيدات و الرجال، و من جانب مذيع الإذاعة عاطف عبد الحميد نفسه الذي وقف تغرورق عينه بدمع كثيف، صارخاً، كمثل معظم الناس، و قد أخذ الطرب صديقي شفيق أخذ المارقين الكرام، ليصرخ مُفزِعني، و مُحدثاً جلباً شديداً؛ "خديني يا ست!" جدير بالذكر أنّ صديقي شفيق أنيس هو الذي صرخ في مرة تالية بعد سنتين أو ثلاث قائلاً جملته الشهيرة "عظمة على عظمة على عظمة يا ست." استمر التصفيق أكثر من دقيقتين، كانت الستار أغلقت خلالهما، و همّ مذيع الإذاعة بالحديث عبر الأثير في جمل التقطت من بعضها خيوط صوته الخفيض الرخيم؛ "... ليلة القاهرة... ليلة كوكب الشرق أم كلثوم... أم كلثوم في محراب الحب و رحابه الواسعة. كنتم مع أغنية جديدة، عفواً، أغنية قديمة بنبضات قلب أم كلثوم، فهي التي أنشدت اليوم ما سمعتم، و أحسسنا بها اليوم لأول مرة رغم أننا سمعنا لها مرات و مرات عديدة من قبل... كنتم مع الوصلة الأولى من السهرة الأولى ضمن سهرات ليالي القاهرة عبر إذاعة الجمهورية العربية المتحدة من ليلة الخميس الخامس و العشرين من يونيو، عام ألفاً و تسعمائة و أربعة و ستين، حفلنا الساهر الممتدّ مع حضراتكم حتى الساعات الأولى من صباح غد. و قد غنّت لنا كوكب الشرق أم كلثوم في الوصلة الأولى أغنية "بعيد عنك،" و هي من كلمات الشاعر مأمون الشناوي، و ألحان الموسيقار الشاب بليغ حمدي. في انتظار الوصلة الثانية التي ستبدأ في تمام العاشرة، أي بعد خمس و ثلاثين دقيقة بالتمام و الكمال من الآن، حيث تقدم لنا فيها رائعتها الجديدة "إنت عمري،" الأغنية التي يلتقي فيها أفضل ثلاثيِّ على الإطلاق، و الذي يضمّ كلاًّ من الشاعر أحمد شفيق كامل، و موسيقار الأجيال الخالد محمد عبد الوهاب، و كوكب الشرق أم كلثوم. "سنقطع الوقت المتبقي بأيّ شكل و على أيّ حال حتى تدنو ساعة اللقاء... و حتى نلتقي، ينتقل الميكروفون الآن من دار سينما قصر النيل إلى دار الإذاعة بالـ... " لا أتذكر حقاً كيف قطعنا هذه الشوط أنا و المستمعون من حولي حتى بداية اللقاء، و لكنها حانت، و سريعاً ما بدأ محمد عبده صالح عازف القانون، و رئيس فرقة أم كلثوم وقتذاك، بداية سحرية خاطفة استنفرت مشاعرنا خلالها، و انتفضت لها حواسنا جميعاً، حتى صفَّق جميع الحاضرين تصفيقاً مهولاً جعلته يلعب المقدمة ثانياً وسط سكون الجميع كيوم يُحشرون، حتى لعبها ثلاث مرات متتالية انقطعت جميعها عند لحظات مختلفة، إلا الأخيرة التي اكتملت فيها الوصلة، و لكنها لم تكتمل في أذهان الجميع؛ فسماعك لإنت عمري لأول مرة في حياتك داخل هذا المسرح بالتحديد قد تكون تجربة شديدة الوطأة، فيصعب، بل يستحيل أن تقوم بهضم كل ألحانها من المرة الأولى، فالأولى هي صدمة بأيّة حال، صدمة كطفل يزحف على أرضية العالم لأول مرة، أو كطبيب تموت بين يديه مريضة لأول مرة. في كل مرة من المرات الثلاث التي استهلها عبده صالح، فد تجد الآذان سحراً لحظياً غامضاً يتخطّفها بين أوتار القانون الذهبية، حتى لتطغى اللحظة على بقيّة اللحن فلا تني تسترجعها مرة أخرى في دماغك التي ستنفجر من شدّة حساسية موسيقى وهاب الخالدة، و تنسى بقية اللحن... عندما عزفها الأستاذ محمد عبده صالح للمرة الأخيرة، اكتملت ثلثين دقيقة حتى دخلت الفرقة الموسيقية كلها من بعده، لنُفاجأ جميعاً بسيدة فاتنة في منتصف أربعينياتها قد ارتمت أرضاً مغشيّاً عليها من فرط دلال النغمات - و قد ارتدت كنزة سهرة سوداء قيّمة، و تنّورة سوداء قصيرة لامعة. لا أعرف أين كنت أنا طوال هذه الأغنية، فكل جملة أسرتني معها لعالم سحريِّ جليل، و مكان خلاَّب بعيد، و لم أفق حقاً، و أستردّ وعيي نصف كاملاً إلا على "الماضي و جراحه... اللي شفته... قبل متشوفك عنيّة... عمري ضايع... يحسبوه إزاي عليّ... إنت عمري." لم أكد أرى أيّة شئ، فقد شوَّشت الطرب، و الصطل، و الجمال مرائي عينيَّ... و لا أتذكر حتى اليوم رغم فوات كل هذه العقود كيف رجعت منزلنا الكائن بشارع 7 بالمعادي. إمضاء: عماد ميشيل عدلي*. * كان هذا الفصل الأول من مذكرات سير عماد ميشيل عدلي، المصري الأصل، البريطاني الجنسية، و الذي كان حتى مصرعه الأليمة من ساعة باكرة من صباح يوم أمس رئيساً لقسم أمراض النساء و التوليد بكلية طب سانت جورج، جامعة لندن، و أحد الأعضاء البارزين بكلية أمراض النساء و التوليد الملكية بلندن، و هو أيضاً حائز على جائزة نوبل في الطب لعام 2007؛ لمجهوداته الفائفة في محاولات ربط بعض حالات سرطان الثدي بالإجهاض المتكرر. أغلب الظنّ أنه لقي حتفه على يد مجهول ألقى به من شرفة بيته في الدور السابع من العقار ن1 الكائن بشارع بوول، بحيّ هاكني الراقي، شمال شرقيّ لندن، و هو شارع حيويّ و شهير استخدم فيه ألفريد هيتشكوك استديوهات جينسبوروه لتصوير أفلامه الأولى. و قد بدأت الإستخبارات البريطانية فور وقوع الحادث الأليمة في مباشرة التحقيقات، و لم يتمّ الإعلان عن أي تصريح رسمي حتى الآن. قُتل سير ميشيل أو انتحر عن عمر يناهز الثالثة و السبعون عاماً، لتظلّ مصرعه لغزاً ضبابياً جديداً لا تقتل إلا المصريين المقيمين في لندن بالذات، بنفس ذات الطريقة و الكيفية، حيث يتكرر المشهد و يأخذ أحدهم معه فصول أخرى كثيرة من مذكراته، و يهجر هذه الدنيا بلا عود، و لا يخلّف وراءه إلا أسباب الحيرة، بعد الليثي ناصف عام 1973، و سعاد حسني عام 2001، أشرف مروان عام 2007، يلحق بهم عماد عدلي عام 2008. الجدير بالذكر أنه تزوج مرة واحدة فقط من نور الهدى الممثلة و المطربة اللبنانية التي تكبره بإحدى عشرة عاماً، في بداية مشوارها الفني في القاهرة في زيجة لم تستمر إلا شهرين، هاجر في إثرهما إلى لندن، و لم يتزوج منذئذ، و لم يزر مصر منذ الرحيل عنها إلا محمولاً داخل نعشه. وصلت جسمانه الطاهرة، و دفنت في مقابر العائلة بالمنصورة في ساعة متأخرة من ليل أمس، و لكن لم يصل الفصل الأول و الأخير من مذكراته. ** الصورة من هنا، و هي لا تبدو أنها تخضع لأي حقوق ملكية فكرية. أحمد زيدان
|
:مع مدونتنا... تذكر أن
| ||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||