More servicesWindows Live
Sign in
 
 
Spaces home  Sir Zidan MirrorProfileFriendsBlogMore Tools Explore the Spaces community
August 16

عندما تمارس الآلهة الجنس


تلألؤ


     (من وراء حجاب.)

إيزيس: "أريدُ 
نصّاً منك!"

بابل: "فلنضاجع الكلمات في
أركان حبِّنا الفسيح على أحرف أقلـامنا و حواف أرواحنا الهائمة بين برزخ الحياة و الحياة.
"ألـّا نوقظ نائماً بضجيج مضاجعتنا! ألـّا نزعج مريضاً! ألـّا نلوِّث نهراً! ألـّا نقطع شجرةً! فالسلـام أوتارنا، و أغصان الزيتون ألحاننا."

إيزيس: "في إحدى ساعات نومي القليلة كتبت لك تلك الكلمات، و بعد محاولـات جادة لتذكر معظم ما كتبت تذكرت الـآتي؛
"
إرسل لي تلك الصور الموجودة داخل مكعبات زجاجية بثلـاثة أبعاد! إرسلها إليّ لـأرددها على مسامعك بطريقة غير مفهومة... فما حاجتك للفهم إذن؟؟ أو للوعي؟ في ساعات مسروقة من ليل مراقِب مخترِق؟!"

بابل: "حقاً! لـا داعي للفهم في الليل المسروق المحترِق بلهيب الشوق و إثم الرغبة، معاً
... أظن أنّي سمعت كلمات مثل "مكعبات،" "ثلاثية الأبعاد،" "إنكسارات ضوئية،" و أشياء من هذا القبيل! لـا يهمّ، لـا يهمّ."

إيزيس: "صوِّر لي حالك الآن أيها الحبيب المفارق
جسدي و المتوطِّن في عقلي!"

بابل: "أتنعّم على فراش من القطن المحشو، فوق ملاءة حمراء صارخة، أتوسّد وسادات محشوة بفرو الجراء و اصطبغت بالأحمر القاني، و يلُفّني زغب العيدر من رقبتي لأخمص قدميَّ، و قد ارتسم خط أسود أليف يتعرج عند قمة لحافي الأصفر ليلامس رقبتي - إنه ثعبان أسود يلتف حول رقبتي - ثعبان الحياة؛ فلسانه الأحمر يتذبذب خارج فيه ليلتقط حنيني و يرسلها إشارات إليك عبر شبكات اتصالنا الروحي الشاسعة، يلسعني في فراغات العدم بين أناملي، فأحترق بحرقة الأبدية، و يأخذني معه لنعيم الحب المقيم حيثك.
"أرتدي كنزة تائية برتقالية لـا ينقصها إلـا صدرك المكتنز، و بريق عينيك، لتمسى شمساً في الـآفاق السمائية، و يلامس صدري قميص تحتانيّ مخططاً بالـأبيض و الـأسود – فكأن الـأبيض هو شعرك و أنت تحجيّن إلى جبالي في العام الماضي، و الـأسود هو حاجة الكون لاتصالنا.
"أمّا على فخذاي، فسروال قصير قد سحبته قليلاً لتوّي ليغطي ما بعد ركبتي بقليل، مغزول بخيوط من الغزَل و النهم، تستقر عليه مساحات ملونة مربعة؛ لـا! لـا! مكعبات ثلاثية الـأبعاد! مكعبات لحب، و أخرى للبن، و أخرى لزوايا فارغة، و أخرى لدوائر متداخلة في ظلـام الحجرات، يستقرّ تحته سروال تحتانيّ قصير قد فُتحت نوافذه على مصراعيها، و خرجت منه هذا الذي بين يديّ، و لا أدري لماذا أشتد في قبضتي عليه كلما كانك شوق أو مثّلك إلهام، تماماً مثلما لا تعلمين أنت سبب وجود صور داخل مكعبات زجاجية بثلـاث
ة أبعاد..."

إيزيس: "و ماذا بعد؟ أنا معك بحواسي أتخيل و أترنّح من فرط التركيز و الإرتكاز!"

بابل: "إني أستمسك بقضيبي الطويل في يديّ، فهو دائم الإنتصاب ساجداً عندما تهمِّي بمحاذاته، فهو جندي مغوار وسط جنود أحشائك، و خادم آمين يقف على باب رغباتك، ينتظر من أظافرك أمراً، أو من فتنتك إشارةً، أو من إثارتك أسراً، أو حتى من سروالك إيماءةً؛ ليسرع ملبِّياً بالولوج – فما عليه إلا البلاغ المبين."

إيزيس: "قد ازدردت ريقي، و توقف ضخ دماءي إلى عروقي السطحية... قد انتابني شعوراً غامضاً... فوصفك شد..يد الحاجة قوي الحُجة... لـا أدري معه أين أنا بين عجلات الزمن التي تجرّّها الخيول، و عرقي ينهمر من خلال مزراب الإضطراب و مسام التصدع... فلـا أستطيع له وقفاً، و لـا أستطع لك إيقافاً...
"ماذا أنا؟!"

بابل: "أصوّرك إيزيساً تتوسطين معبد الخلود، ترتَدين ثوباً من كتان، و تسدين قرص شموس و مجرّات، تمسكين بالصولجان، و العصا المعقوفة، و المصلصة، و على معصمك الأساور، و القلادة الذهبية تزدان بجبينك، و غصن الكروم، و رمز المسرّة على رأسك التي مركزاً يحوم حولها العباد بحوائجهم و مصائرهم و قرابينهم من؛ أزهار نيل، فاكهة شام، أرغفة خبز، كعك، قوارير جعة، فطائر زعفران، و صكوك غفران... أصوّرك ريحاً صرصراً تجرف معها دماء قلبي و تعصف بحواسي و عقلي... أصوّرك ناموساً كونياً خليفة الله في كون الله... أصوّرك قائداً أحمسياً طرد هكسوس كآبتي و وبال حيلتي... أصوّرك فكرة مجردة تسدّ عليّ منافذ الكلمات، و مصاريع الإلهام، و أقفال الشوق، فلا أفكر فيكِ إلا لك، و لا أكتب عنك إلا بك... أنت الشوق و المشتاق، أنت الفعل و الفاعل، و المفعول المطلق إطلاقاً."

إيزيس: "فلتغرِّد طير الجنوب! و لتنطفئ نيران الشمال! و لتغدو ريحاً طيبةً شرقيّاً! و لتنمو أزهار المرمرية غربيّاً! و لتمطر أمطار الخير! و لتنطلق طوارق الصحراء فراراً! و ليعمّ السلام أرجاء الكون، رحمة هذا اللقاء، إزاءنا! و ليسري الحب بين كائنات الكواكب و الأنجم! فلتتصل جميع الكائنات إبان إتصالنا!"

بابل: "فليكن!"

إيزيس: "اطلق جماحي، فأنطلق مُسبِّحة بمجدك في الفضا! اطلقني، فأطلق صرخة مدوية تقتلع سهام جسدك لتخترق أخاديد مسطحاتي، و خلجانها، و خلجاتها، و شواطئها، و نيرانها!"

بابل: "فليكن!"

    
     (تتجلّى إيزيس وسط هالة نورانية في الغرفة الإلهية العظمى... و تتهاوى الأحجب.)

إيزيس: "سلام لك... سبحانَكَ... سبحانَكَ!"

بابل: "سلام لكِ... سبحانَكِ... سبحانَكِ!"

إيزيس: "أنت من هو الإله!"

بابل: "أنتِ من هي الإلهة!"

إيزيس: "لقد حبست أنفاسي للحظات بكلماتك المنسابة كعطر زيت الهجليج... فهيا نحطّ ركابنا؛ لنعبر قناة أوزوريس، ثم الصحراء العربية الجرداء، حتى نصل لإشعاع نورك المتقد على ضفاف الفرات بين السهل الرسوبي و المنطقة الواطئة تحت ظل أشجار الصفصاف."

بابل: "فليكن!"

    
      (ينتقلا...)

      (يصلا.)

إيزيس: "هذا بحر قزوين... و هذه جبال الأولمب... و هذه قبائل الأنكا... و هذا عطارد!"

بابل: "أحبك مثل الصحراء المتصِّلة بين طيبة و بحر القلزم."

إيزيس: "أحبك عدد حبّات رمال ممكلة سومر."

بابل: "أنت الأم الإلهة... أنت الإلهة الواجدة، اندمجت بك الآلهة مثلما اندمجت أنا الآن بفعل شراب نهمك.
"أنا أشرق بين ساقيك و أغرب في المهبل المقدس.
"أترنم لك في كتاب الموتى و لاهوت الأحياء."

إيزيس: "أنت سر الوجود و وجود الأسرار."

بابل: "أنت أصفاد العشق، و تعشيق الأغلال."

إيزيس: "عقلك من أفكاري، قلبك من ملكوتي. بابل، أنت باب الـإله!"

بابل: "فأنا بابك إذن! جسدك من الذهب، رأسك من اللازود، و الضوء القرمزي يحيط بك. جعلتِ الـأرض تشعّ كالنحاس المصقول."

إيزيس: "أنت حامورابي العشق."

بابل: "و أنت ماعت الحق و العدل و الصدق."

     
     (و يستطردا بعد برهة من النفس اللاشعوري و كأنه الموت... فيقتربا.)


إيزيس: "ربُّ المشرق و المغرب... أنت آدم و نوح و إبراهيم... أنت من كنت و من ستكون."

بابل: "
ربّةُ القمر و الـأمومة من لدُنكِ نستغيث... أنت أم حورس و أم المسيح... أنتِ فرعون الوله، و عشق الإله... أنت من تحيين الموتى و تكتبين بالأسحار أقدار العباد.
"في مجال المعنى و الروح، و في مجال المادة و الجسد: لـا يهتدي الـإنسان إلـا بك أو لك."

إيزيس: " يا من أنت الـأبدية و الخلود!"

بابل: "يا من أنتِ موضع التطهير و طُهر الأمكنة.
"إني أنا الـأمس و أعرف الغد."

إيزيس: "إنك أنت الأمس و تعرف الغد."

بابل: "مرحى للمؤمنين فهم في سلامٍ كونيّ."

إيزيس: "مرحى للسمائيين فهم في سلـامٍ سرمديٍّ."

بابل: "مرحى! مرحى! هيا نعد أدراجنا لذرى السماوات العُلا ببركة اللهيب المزدوج و طائر السنونو."

إيزيس: "مرحى! مرحى! فهلاّ نعرج للمقر السماوي بصحبة عنقت، و نندمج مع الثبات الكونيِّ، و نتكئ مع الـأرواح الممجِّدة على آرائك الخيزران، بصحبة كئوس خمر من ياقوت أزرق مزاجها عاقولـاً."

    
      (يعرجا...)

      (يصلا للمقر السماوي.)

إيزيس: " تعالَ! إنك بالحقيقة تعرفنا!"

بابل: "تعالي! إني بالحق أعرفك!"

إيزيس: "إيمانك نورانيّ... غزلك قرءانيّ... عيناك إلهيّة... قدوس، قدوس!"

بابل: "شعرك سندس... فخذاك إستبرق بينهما قوسٌ لاذعٌ من خمرٍ مختومٍ... قدوس، قدوس!"

إيزيس: "ملتاعة أنا في حضرة الحب... أرى صدى وهج جسدي في مرآة الكون على ضوء الأنجم... إننا إلها هذا الكون بلا شريك... لكل من آمن بنفسه فقد آمن بنا، و لكل من آمن بالإنسان فقد آمن بنا، و لكل من آمن بالحب فقد آمن بنا... سلامٌ على كل المثنييِّن. لا حول إلا بنا، و لا قوة إلا لنا."

بابل: "سلام لهم... سلام لهم. لا حول إلا بنا، و لا قوة إلا لنا."

     
     (يرتكزا بوجههما متقابلين تماماً، أثناء وقوفهما على مقربة من الفراش الإلهي.)


إيزيس: "في ليلة توطيد الدعائم أقمتك وريثاً شرعياً لـانتمائي، و سلـالتي، و مائي. هيا نأكل فخذ الثور، و نرعى في البلـاد عابثين كما في سفر الـآبهين في الـأُبهة و المتلـألئين في الظلمات."

بابل (يهمهم بكلمات غير مقروءة:) "... ..."

     
     (يترنحا ثملين من آثر تماهي هالات النور الإلهية المتكثِّفة.)

إيزيس: "طوبى لليل! فها أنت قد بزغت سفوحاً."

بابل: "طوبى للنور! فها أنت قد رنقت كشمس الـأصيل، و نفضَّت عن الـأفق الغربي شفقه المحيط."

إيزيس: "صِلني! فإني ألتهب شوقاً لقرب اتصالٍ، و ما غذاء الروح إلا اتصالاً."

بابل: "فلتنبت سنابل ذرياتنا بتأثيل إدماننا و تثنية اسمنا حتى ما لـا نهاية... بالسلام نصل لمنتهى اللذة، لنا و علينا و حولنا أينما نحلّ و نهبط."

إيزيس (تتأوه و تهمهم بكلمات غير مقروءة:) "... ..." 

      (و يتصلّا، فيغرقا في نوبة حب مقدسة حتى ظهور هاروت و ماروت...)



* الصورة من هنا. و هي لا تخضع لأي حقوق ملكية فكرية.

                                                                                                 أحمد زيدان
 




August 12

حيوانات أيامنا 34

    

     ما أكثرهم! ما أكثر حيوانات أيامنا! كل يوم أقايل حيوانات جديدة، أتعرف على أدمغة جديدة، أشكل أفكار جديدة، أسطر حروف جديدة، و أخلط ألوان جديدة. هذا المخ الحيواني الذى أحويه امتلئ عن آخره، فقرر التخلص من كل شئ بطريقة أكثر حيوانية و أماناً. فجاء إلى هنا و ملأ المدونة أصباغاً و أحباراً، كلاماً من الماضي، و أسئلة عن المستقبل.
عفواً، لأول مرة سأتنازل عن الفصحى بعض الشئ، لأن التعبيرات الحيوانية لا تخلو من العامية كما تعلمون.
من يريد طرح أسئلة على مخي الحيواني، فليتفضل بمراسلته عبر بريده الإلكتروني:
hayawanat_ayamna@hotmail.com
و سأحتفظ بخصوصية الراسل، من أي جنس حيواني كان. و سوف أرد على الأسئلة تباعاً فى الأجزاء المتتالية من "حيوانات أيامنا."

1 - تسألني إحداهن، محمود درويش مات؟!
- لا يموت العباقرة، المبدعون، و الأبطال. بل يبقوا دائماً، ليس فقط بفذاذة عقولهم، صفحات أعمالهم، و ذكريات أمجادهم، بل أيضاً بكامل وجودهم المعنوي داخل الكيان الماديّ المحض لمن أحبوهم، و تأثروا بهم، و تعلقوا بهم، و بكوا نحبهم. إنه الخلود بكل ما تحمله الكلمة من معانٍ قديمة.

2 - تسألني إحداهن، كيف تستطيع أن تموضع الكلمات في غير مواضعها بهذا السحر؛ لتقع على الآذان موقع الحكمة و الموسيقى في آن؟!

- إنه دلال
الحب.

3 - تسألني إحداهن، هل تصل أنت لهذه اللحظات الومضية التي تحدثنا عنها، حقاً، أم أنه فقط مجرد حلم؟!
- الحلم هو ما يولِّد المستقبل – فـنحن على وشك صنع مستقبلنا الآن بمجرد التفكير فيه.

4 - تسألني إحداهن،
كمان كتبت مشاهد جنسية صريحة من غير ما حد يقدر يقول ده تجاوز للحد؟!
-
الأدب هو خط على حدود الحياة تقريباً، أو لنقل هو خارج حدود الحياة تماماً، فهو لا يعترف حقاً بمصطلحات يومية في حياة العامة كالتقاليد و الدين و الدجل و الأساطير الشعبية. الأدب هو اللاحدود المطلق.

5 - تسألني إحداهن، تقول أنّ العلمانية هى الحل كونها قائمة على الحوار و تقبل الاخر و التسامح. و لذلك فأنت – على حد قولك - اقتنعت بها و اعتنقتها عقيدة. فهل معنى ذلك أنك متخلّق بما تدعو له هذه العقيدة؟! لأنى أراك تناقضها فى بعض أفعالك كردودك على بعض الرسائل، و كهجومك للبهائيين على الوهابيين، و هو من تدعوهم بأنهم دعاة العرعرية و الجاهلية. فهل حاولت محاورتهم بأسلوب حضارى فعالّ، هل حاولت تقبلهم و هل تسامحت معهم؟!!!!!!!!!!!!
لا أظن أنك فعلت، أو أنك ستفعل إذ أننى أشعر فى كلامك عنهم أن نفسك تفيض غضباً و غيظاً منهم لاعتقادك أنهم على باطل و أنهم سبب تخلفنا، بينما هم أيضاً يظنون نفس الشئ عنك. فأين إذن هذا الحوار و أين هذا التقبل و التسامح؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟
-
إذا كنت لا تظنِّ أنّي لم، و لن، فلماذا السؤال إذن؟!
بالمناسبة، كل ديه علامات استفهام؟؟؟؟؟؟؟؟؟!!

6 - تسألني إحداهن، أظن أنه كان من المفترض أنّك شخصية قديمة، كبيرة، و عاقلة قد ماتت منذ زمن بعيد، و نحن الآن نقرأ حِكمه، و ردوده، و نتعظ؟!
- أقوللك موعظة: تجيش؟!

7 – يسألني أحدهم، مدونتك أفكار غربية بأيادي مصرية؟!
- ده حديد عز و لا إيه يا روح أمك؟!

* أجزاء سابقة:
- الجزء الثالث و الثلاثون
- الجزء الثاني و الثلاثون
- الجزء الحادي و الثلاثون

  

                                                                                        Ezz Steal

                                                                                        أحمد زيدان

August 10

رسالة من قارئة

     

     "اكتب لك ليس سؤالاً لحيوانات ايامنا ولكن لارسل تحياتى لعقل مفكر وواعى ويسبق رفقاء زمنه بكثير واريد ان اشيد بأسلوبك المميز جداَ وثقافتك وقدرتك الرائعة فى التعبير عن افكارك  

"لا استطيع انكار تعرضى للصدمة من وقت لآخر وأنا اقرأ لك مدونة او الاحظ حالتك على الفيس بوك... ليس ذنبى فانا نشأت فى مجتمع يكره الصراحة ويقدس الكلمات التى تحمل الف معنى وتربيت على قراءة مابين السطور...

 

"على اى حال ..بالتوفيق واتمنى ان ياتى اليوم الذى تكون فيه كتاباتك محاضرات تلقيها لتصدم عقول المزيد وتعيدهم للصراط بعيدا عن طرقنا الملتوية وكلماتنا المطاطة الجوفاء والهاماً لمبدعين احرار.

 

"شكراً

نورهان." 

      ها أنا لم أنشرها ضمن سلسلة حيوانات أيامنا كما أشرت سيدتي، و أخصص لها تدوينة مستقلة. و الرسالة لا تحتاج إلى تعليق أو تعقيب، فهي قائمة بذاتها توضح لكم علاقة خفية بين كاتب و قراء لم يراهم إلا من خلال صدق إحساسهم، و لم يروه إلا من خلال كلماته. و قد وضعتها بين أيديكم كما هي بلا تغيير لحرف أو علامة واحدة؛ فهذه التدوينة بالذات هي ملك لقارئة، و لا أستطيع أنا المساس بها، أبداً.
الرسالة، و على بساطتها، إنما أعتز بها كثيراً، حقاً، فهي أجمل ما يتلقاه كاتب من هدية في حياته، سواء كانت رسالة نقد أم إعجاب.
شكراً جزيلاً لكِ، سيدتي - هذه هديتي.

* ملحوظة بسيطة جديرة بالذكر؛ و هي أن هذه السيدة صاحبة الرسالة قد نشرت مقالاً عن مدونتنا، بعنوان "تريد أن تعرف شخصاً؟؟ إذن غوص في عقله،" على صفحتها على موقع الفيسبوك، و نظراً لخصائص السرية التي وضعتها على مقالاتها، فقد نقلت الإدراج بالكامل على صفحتنا على الفيسبوك.
لقراءة المقالة: إضغط هنا.
                                        أحمد زيدان

August 08

حيوانات أيامنا 33

     ما أكثرهم! ما أكثر حيوانات أيامنا! كل يوم أقايل حيوانات جديدة، أتعرف على أدمغة جديدة، أشكل أفكار جديدة، أسطر حروف جديدة، و أخلط ألوان جديدة. هذا المخ الحيواني الذى أحويه امتلئ عن آخره، فقرر التخلص من كل شئ بطريقة أكثر حيوانية و أماناً. فجاء إلى هنا و ملأ المدونة أصباغاً و أحباراً، كلاماً من الماضي، و أسئلة عن المستقبل.
عفواً، لأول مرة سأتنازل عن الفصحى بعض الشئ، لأن التعبيرات الحيوانية لا تخلو من العامية كما تعلمون.
من يريد طرح أسئلة على مخي الحيواني، فليتفضل بمراسلته عبر بريده الإلكتروني:
hayawanat_ayamna@hotmail.com
و سأحتفظ بخصوصية الراسل، من أي جنس حيواني كان. و سوف أرد على الأسئلة تباعاً فى الأجزاء المتتالية من "حيوانات أيامنا."

1 – تسألني إحداهن، كلامك يبكيني يا زيدان؟!
- هو ليه كله بيعيط؟!

2 – تسألني إحداهن، كلام زيدان بيجبلي قشعريرة؟!
- ده إيه دين أم الليلة الزرقة ديه بقى؟!

3 – تسألني إحداهن، زيدان، أنت تنتهك حرمة الكلمات؟!
- و أنتهك حرمتك أيضاً، إذا لفظتِ بكلمة زيادة!

4 – تسألني إحداهن، هل أنا كدة أصبحت من أصحاب الحظوة؟!
- لسة شوية، فيه ناس حاجزين مقاماتهم منذ زمن بعيد في حظيرة الحيوانات منذ نشأتها الأولى بأسبقية الغباء، و لهم مقاعد شبه ثابتة في كل جزء، أما أنت فلا تزالين جرو صغير.

5 – يسألني أحدهم، كيف تحب العمل في مجموعات صغيرة، و أنت مؤيد عنيد لمذهب الموضوعية لراند، و مناصر شديد للفردية و الإنفرادية، و لكافة صور الإبداع المتفردة؟!
- لا غنى عن العمل الفردي الإبداعي في الفن، و لا عن العمل الجماعي المخطط في الشركات متعددة الجنسيات. فالأول يبحث عن نقطة فيضية، و الثاني يبحث عن أمطار مالية. فلا حاجة للعقل في الأولى، و لا سبيل عنه في الثانية؛ لأن سهوات العمل الإبداعي قد يصنِّفها النقاد على أنها مدرسة أدبية جديدة، أمّا أخطاء العمل الإنتاجي قد يستغلّها المتنافسون للسيطرة على السوق.

6 – يسألني أحدهم، انت طلعت صايع أهو؟!
- و انت طلعت أهبل!

7 – يسألني أحدهم، الفاشية هي الحل؟!
- و ليه لأ؟!

* أجزاء سابقة:
-
الجزء الثاني و الثلاثون
- الجزء الحادي و الثلاثون
- الجزء الثلاثون

                                                                            Goosebumps


* الصورة العبقرية هي ذات مصدر مفتوح، و هي من تصوير ذاك العبقري.
** للتاريخ الأغبر؛ حيوانات أيامنا 33 نشرت في اليوم الثُماني 8/8/2008، تحديداً قبل افتتاح أولمبياد بكين العظيم بثماني ساعات!

                                                                                                                أحمد زيدان

August 05

الفصل الأول: كأسان في نخب كوكب الشرق


كوكب الشرق و درّة الأرض
    
     في ذاك اليوم الصيفي المعتدل، أنهيت عملي بوحدة "أمراض النساء و التوليد" في كلية الطب بقصر العيني، و خرجت بعد الثانية ظهراً بقليل، و استقلّيت سيارتي الفيات الخضراء حتى منزلنا الكائن بشارع 7 في المعادي.
لم تكن أبداً شوارع مصر مزدحمة سواءاً في هذه الذروة، أو حتى في ليلة الخميس من نهاية الأسبوع، بل كان كل شئ هادئ و أخضر و جميل، و دائماً ما شدّ انتباهي مشهد الحب على ضفاف النيل حول الكوبري الخشبيّ بالملك الصالح، و كنت كلما في حالة مزاجية جيدة، أقف و أستنظر هؤلاء العاشقين و العاشقات بالزي المدرسي، خاصة قبالة نهاية الأسبوع، بعد انتهاء مواعيد المدارس التوجيهية... لا أدري حقاً إن كانت شوقاً لحب مثل التي يعيشونها هؤلاء الصغار، حتى و إن عازته الخبرة و المسؤلية، و حفّه الطَيش و اللامبالاة، أو كانت حنيناً لامرأة لم تتجلّى بعد، و لم تملأ فراغات حياتي المعنوية الفاغرة بكيان محض يمتزج بسائل وجودي الشاب، و تقضي على مثل هذه الفراغات للأبد. على أيّة حال، كان اليوم في مبتدى الإجازة الصيفية تقريباً، و العاشقين و العاشقات قد يكونوا في أمكنة أخرى غير كورنيش الظهيرة بنسماته العليلة.

     في السابعة و النصف مساء ذات اليوم، كنت على كرسي خشبي أمام إحدى أركان خمّارة حنّورة القابعة في منتصف حارة زغيب القاهرية العتيقة، و هي حارة صغيرة بين العتبة و التحرير، منحنية قليلاً من ميدان مصطفى كامل، لم تطل انتظاري، حتى طلّ بعد دقائق صديقي و زميل الطفولة، شفيق أنيس. إنه دائماً ما كان ملتزماً بمواعيده كنصل سيف حاد. ليبادرني أثناء السلام؛
- سعيدة.
- سعيدة عليك.
- جبت التذاكر؟
- أينعم!
- فين؟!
- في الحفظ و الصون.
- خد يا سيدي العشرة جنية. (و مدّ يده، و التقفت منه أنا الورقة، و أعطيته التذكرة.)
- على 8؟
- 8.30
- لازم نشرب بسرعة عشان نلحق.
- و هو كذلك!
طلبنا كأسين ويسكي مصري، و من ثمّ كأسين براندي، و شربناهم، و أطرقنا قليلاً، كلٌ منّا يحاول شحن بعض من الترف الحسّي على اللحظات من آثر الشراب.
الحق يقال؛ لم تعد تربطنا أنا و شفيق مواعيد كثيرة هذه الأيام سوى حفلة كل شهر أو أطول، و لا نلتقي بينهما أبداً، و شفيق بالمناسبة هو صديق المراهقة منذ أيام مدرسة ميت غمر الثانوية، و هو اشتراكيّ شديد المراس، رغم يهوديته المحافظة، و رغم هجرة عائلته إلى إسرائيل فيمن هاجروا بعد انقلاب يوليو، بينما جلس هو ها هنا، و لا أدري حقاً هل حبّاً في مصر، أم إيماناً بعبد الناصر، أم أمراً ثالثاً قد نفرد له مساحات في فصول أخرى قادمة. ورث شفيق متجرين للمجوهرات؛ أحدهما في المنصورة، و الآخر في الأسكندرية عن والده أنيس شلهوب، الأخ غير الشقيق للممثل عمر الشريف، و كان قرائياً متديناً لحد كبير. فيما أنا على النقيض تماماً، من حيث خلفية عائلتي التي حسبوها بعدئذ إقطاعية، و كانت الكلمة مبرراً كافياً لسرقة كل ما نملك، مما دفعنا للهروب لفرنسا من بطش و استبداد ناهبي الثورة و مزوِّريها و ملفِّقيها في أعقاب اندلاعها، و بينما بقيت عائلتي في عاصمة النور، عدت أنا مرة أخرى للظلام بعد سنتين؛ كي ألتحق بكلية طب قصر العيني حسب وصية جدي المرحوم عدلي بك وفيق، و هو من خريجي طب قصر العيني قبل انضمامها للجامعة المصرية، و كان الطبيب الخاص للملك فؤاد الأول حتى وفاته عام 1936، و كان فيزيوقراطياً صارماً يؤمن بأن الثروة لا تستمد إلا من استصلاح الأراضي، و تطويرها، و هو من أول المرتحلين من العاصمة إلى الدلتا للتوسع في استصلاح الأراضي و زراعتها، و كان يلاقي دعماً هائلاً من الملك، و في نظرته الإقتصادية هذه، كان يبدو و أنه متأثراً لحد كبير بسنين الطفولة التي قضاها في ريف فرنسا، متطلِّعاً على قراءات من أمثال فرانسيس كوينساي و بيير صامويل دو بونت.
وقت عودتي للقاهرة، بعد عزل محمد نجيب عزلاً مهيناً عن السلطة من قبل هذا الباطش المستبدّ، حيث لم يعد نجيب الواجهة البرّاقة لتطلعات و تحرشات المحتال الأكبر لنهب مصر، لم أجد أيّ آثر لأملاكنا المتبقية، و لا قصورنا، و لا أراضينا تحت لواء الثورة المشؤومة، حيث أننا في الأساس لم نأخذ جزءاً كبيراً عند هروبنا لضيق الوقت مقارنة بهول الأملاك، حتى و إن تحولت لأموال سائلة آنذاك. و في أثناء السنتين اللتين مكثتهما في باريس اكتسبت كثير من القيم الغربية الديمقراطية، و كنت ألعن هذا الإنقلاب الذي أطلقوا عليه ثورة، و من قاموا به، و الشعب الذي آمن بمن قاموا به، طوال الوقت. في الحين التي لم يكتسب فيها شفيق أي تغيّر كبير، فهو مايزال ناصرياً قومياً. و لذا لم تكن بيننا ثمّة حكايا سياسية البتّة، فهو يدري رأيي مسبقاً، و أنا أيضاً، أعرف جيداً ما تصبو إليه طموحاته.

     خرجنا في اتجاه التحرير، و لم ننبس بأيّة كلمات أخرى إلا عندما دفعنا حساب الشراب في حنّورة. كنا نحاول جاهدين التثبّت على ما وصلنا إليه من مقدمات السكر حتى تصطلنا الست، و نسكر تماماً إزاء عالمها الملئ بالخبايا و الطرب.
وصلنا أمام دار سينما قصر النيل في الثامنة و الثلث تقريباً، و لم تكن ثمّة زحام شديد، إلا من سيارات مرسيدس كثر توقفت بالقرب من الدار، و ثلاث عربات إذاعة زرقاء ضخام يستعد كلُّ من فيها على قدم و ساق لبدء البث الإذاعيِّ التي تستمع لها في نفس الآن مع الحشد الكبير التي تفوق الخمسمائة حاضر، ملايين تسعون على أقل تقدير من أقصى الشرق الأوسط لأقصاه عبر إذاعتنا المصرية التي شوّه اسمها هذا ناصر المهانة إلى إذاعة الجمهورية العربية المتحدة. فنحن ولدنا يوماً فوجدناها مصراً، مصر الفخامة و التاريخ، و استيقظنا آخراً فوجدناها عزبة، عزبة ما سمّوهم العامة وقتذاك "رجالات الثورة،" و لا هم كانوا رجالات، و لا هي كانت ثورة، و استيقظنا ثالثاً فوجدناها جمهورية عربية متحدة، و لم نكن عرباً، بل و لم نكن متحدين في شئ، و استيقظنا رابعاً فوجدناها نجسة، بنكسة مهينة لم تلوث صفحات تاريخنا قطّ، فهاجر من هاجر، و هرب من هرب... و علم من رُقم في جُبِّ وطنه ثَكلاً أنه لا قيمة لإنسانيته، و لا جدوى لوجوده، بل و لا مستمع لنحيبه إلا غياهب المعتقلات و لا لعويله إلا دروب السجون التحأرضية. فلم يعد يهتم أحداً اهتماماً بالغاً، سواءاً برغبتهم في النجاة، أو غصباً عنهم بالموت داخل أنفاق مظلمة سحقتها الرطوبة، و طغت عليها دودٌ و جثثٌ هامدةٌ.

     دخلنا فوجدنا القاعة قد امتلأت عن آخرها، و لم نجد إلا كرسييّن على يسار المسرح بالقرب من مذيع الإذاعة، اتجهنا إليهما صامتَين، كلٌ منّا يحاول الحفاظ على الإتزان النفساني التي وصلها من آثر الشراب. جلسنا، و قد سمعت بعض كلمات مذيع الإذاعة، و لكنّي لم أحاول إجهاد نفسي بالتركيز أو التفكير حتى لا أخسر عمق اللحظات حتى تنشد الست ما سوف تنشد. و بعد قليل سمعت همهمات رجال، و تنهدات نساء بأن الوصلة الأولى هي "بعيد عنك."
رفعت الستار في الثامنة و النصف تماماً، و غطّى التصفيق على بداية الموسيقى، حتى انتهى و عاد إليَّ اتزاني المنتشيّ، و إلى شفيق الذي كان هائماً قليلاً من آثر الشراب، أمّا الجزء الأكبر من هيامه فهي تكمن في محاولة الشارب التحليق خارج أبعاد الزمان. لا أدري حقاً في أينما عقلي آنذاك، و لكن أرقى شرفات الحالات الشعورية قد تتوجك فيها هذه الكوكب الكروانية الأصيلة، و الشراب أيضاً. إن أم كلثوم ليست فقط أسطورة في تاريخ الغناء العالمي، و لكنها أسطورة في تاريخ كوكب الأرض لن يصدق عقلاء القرون القادمة بعد مائة أو مائتين عاماً من الآن في أنها كانت بشراً موجود بيننا حقاً، تماماً مثلما لا يصدق الآن البعض في عدم جدوى فكرة وجود إله لقدم الفكرة و زوالها، فصارت استحالة استلهامها أمراً مسلّماً به، و عصيانها على إقناع العقل البشري الحالي قد باتت أسهل و أسهل بتقدم الزمن.
إنني أرى أم كلثوم الآن من هذه الركن من هذه المسرح الكبير في هذه التوقيت تحديداً من هذه الزاوية الشرقية الشمالية من الكرة الأرضية، و قد يؤمن في كلامي الأجيال القادمة أو لا، و لكنّي فخور باللحظة و بكون حيّز وجودي فيها حاضراً بكامل وجوده، تماماً مثلما حواريّو النبي عيسى و فخرهم بوجودهم إليه، بل و كتابتهم كتب مقدسة بعد ذلك لشرح كل ما رأوا من سُنّته، أو سمعوا عنها، لتستمر في وراثتها الأجيال المتعاقبة حتى تنتهي فكرة الحياة، أو ترث الأرض مخلوقات أخرى.
ثمّة أعمال بشرية من أمثال أم كلثوم، شكسبير، نيوتون، آينشتين، جبران خليل جبران، موتسارت، بيتهوفين، فيروز، بيتلز، بينك فلويد، و محمد عبد الوهاب، قد فاقت في عمقها كل حدّ، ففاقت قداستها حدّ قداسة الكتب السماوية؛ فكون الكتب السماوية إلهية يكسبها كثيراً من الإعتيادية، أمّا أعمال بحجم هؤلاء مع بشريتها هي بذاتها مكمن الإعجاز، و لا يعدّ هذا بأي حال من الأحوال تحقيراً من شأن الإله، و لا تأليهاً لشأن هؤلاء، و لكن بكل بساطة: إنما أعمال هؤلاء هي بشرية خالصة، لا ثمّة وجود ليد إلهية فيها قد تُفقد للمعجزة قيمتها البشرية، و آنئذ فقط تكمن القداسة، فهي في مثل هذه الحجم -  و لكن صنعة بشريّة خالصة.
" خد من عمري، عمري كله، إلا ثواني أشوفك فيهم؛" هذه الجملة بالذات تبرز كم المعاناة التي تعانيها هذه السيدة حتى تحظى بلحظات معدودة مع الحبيب المفارق، لحظات فقط، و بعدهم الموت، أو تتخللهم الموت، لا يهمّ! و لكن ما يهمّ حقاً أن تحظى بهذه اللحظات. و إن كان طبيعياً أنَّ أم كلثوم لم تعانِ من كل روائعها فعلاً، فنحن عانيناها بوقع كل كلمة، و عانَينا من كل نفس طربيّ، و استغرقتنا بكامل وجودنا بطول الأغنية، جميعاً. استمعنا لها، فاستمتعنا بها، و توطّنا بين جنبات اللحن هائمين على وجوهنا، حتى انفضّت اللحن، فانتفضّ كلٌّ منّا إلى عالمه الخاص، و لكن بقيت أم كلثوم خالدة في مكانتها، و بقيت كلماتها عاملاً مشتركاً بين عوالمنا كافة، و بقيت اللحن جزءاً من تركيبنا الماديّ البحت، حتى بعد مُضيّ السنين، و الهجرة.
وجعتنا جميعاً جملة "الشوق... آه من الشوق،" فتأوه أم كلثوم ليس كتأوهنا، بل أشدّ تأوهاً، إنه فيه العذاب، و الحسرة، و القوة، و الضعف، معاً، إن آهة أم كلثوم ليست كفيلة فقط بدعوة الحبيب إلى كل ما يشتهي من جنان الأرض، بل بشدِّنا بطاقة كهرومغناطيسية تفوق أشدّ المجالات جذباً إلى حيثما "عالم حنجرة أم كلثوم." 
"ياما، ياما بداريها ياما... ياما بحكيها ياما؛" انفرط كلُّ الطرب من بين عقد هذه الجملة، فقد أعادتها الست أربع مرات، مرة بتشديد ياء "ياما" و مرة بتمديد ألفها، فسقطت عنّا جميعاً لباس الوجود، و حتماً تهافتنا على مكان ليس بأرضياً – هذا المكان لا يكن، و لا يصحّ له أن يتموضع إلا في حنجرة أم كلثوم، التي و إن وصفت بأنها إلهية، لعجزت الوصف عن شمل الموصف، و حلّق الموصف من تحت مخالب الوصف إلى عوالم لا توصف إلا بالحواس.
اغتالت أم كلثوم قلبي اغتيالاً تاماً عند جملتها الطربية القاتلة "و العمل... إيه العمل... متقوللي أعمل إيه؟؟" إنها ليست فيها فقط أسباب الموت، بل كل أسباب الحياة.
انتهت الأغنية و لكن لم تنتهي أبداً لذّة الطرب التي كثيراً ما تشبه نشوة جنسية مستمرة بطول الأغنية.
انتهت الأغنية، و لكنّي ظللت أسير مقعدي، و حولي شرر حاد تتطاير من تصفيق جنوني من جانب كل السيدات و الرجال، و من جانب مذيع الإذاعة عاطف عبد الحميد نفسه الذي وقف تغرورق عينه بدمع كثيف، صارخاً، كمثل معظم الناس، و قد أخذ الطرب صديقي شفيق أخذ المارقين الكرام، ليصرخ مُفزِعني، و مُحدثاً جلباً شديداً؛ "خديني يا ست!"
جدير بالذكر أنّ صديقي شفيق أنيس هو الذي صرخ في مرة تالية بعد سنتين أو ثلاث قائلاً جملته الشهيرة "عظمة على عظمة على عظمة يا ست."
استمر التصفيق أكثر من دقيقتين، كانت الستار أغلقت خلالهما، و همّ مذيع الإذاعة بالحديث عبر الأثير في جمل التقطت من بعضها خيوط صوته الخفيض الرخيم؛ "... ليلة القاهرة... ليلة كوكب الشرق أم كلثوم... أم كلثوم في محراب الحب و رحابه الواسعة. كنتم مع أغنية جديدة، عفواً، أغنية قديمة بنبضات قلب أم كلثوم، فهي التي أنشدت اليوم ما سمعتم، و أحسسنا بها اليوم لأول مرة رغم أننا سمعنا لها مرات و مرات عديدة من قبل... كنتم مع الوصلة الأولى من السهرة الأولى ضمن سهرات ليالي القاهرة عبر إذاعة الجمهورية العربية المتحدة من ليلة الخميس الخامس و العشرين من يونيو، عام ألفاً و تسعمائة و أربعة و ستين، حفلنا الساهر الممتدّ مع حضراتكم حتى الساعات الأولى من صباح غد. و قد غنّت لنا كوكب الشرق أم كلثوم في الوصلة الأولى أغنية "بعيد عنك،" و هي من كلمات الشاعر مأمون الشناوي، و ألحان الموسيقار الشاب بليغ حمدي. في انتظار الوصلة الثانية التي ستبدأ في تمام العاشرة، أي بعد خمس و ثلاثين دقيقة بالتمام و الكمال من الآن، حيث تقدم لنا فيها رائعتها الجديدة "إنت عمري،" الأغنية التي يلتقي فيها أفضل ثلاثيِّ على الإطلاق، و الذي يضمّ كلاًّ من الشاعر أحمد شفيق كامل، و موسيقار الأجيال الخالد محمد عبد الوهاب، و كوكب الشرق أم كلثوم.
"سنقطع الوقت المتبقي بأيّ شكل و على أيّ حال حتى تدنو ساعة اللقاء... و حتى نلتقي، ينتقل الميكروفون الآن من دار سينما قصر النيل إلى دار الإذاعة بالـ... "

     لا أتذكر حقاً كيف قطعنا هذه الشوط أنا و المستمعون من حولي حتى بداية اللقاء، و لكنها حانت، و سريعاً ما بدأ محمد عبده صالح عازف القانون، و رئيس فرقة أم كلثوم وقتذاك، بداية سحرية خاطفة استنفرت مشاعرنا خلالها، و انتفضت لها حواسنا جميعاً، حتى صفَّق جميع الحاضرين تصفيقاً مهولاً جعلته يلعب المقدمة ثانياً وسط سكون الجميع كيوم يُحشرون، حتى لعبها ثلاث مرات متتالية انقطعت جميعها عند لحظات مختلفة، إلا الأخيرة التي اكتملت فيها الوصلة، و لكنها لم تكتمل في أذهان الجميع؛ فسماعك لإنت عمري لأول مرة في حياتك داخل هذا المسرح بالتحديد قد تكون تجربة شديدة الوطأة، فيصعب، بل يستحيل أن تقوم بهضم كل ألحانها من المرة الأولى، فالأولى هي صدمة بأيّة حال، صدمة كطفل يزحف على أرضية العالم لأول مرة، أو كطبيب تموت بين يديه مريضة لأول مرة. في كل مرة من المرات الثلاث التي استهلها عبده صالح، فد تجد الآذان سحراً لحظياً غامضاً يتخطّفها بين أوتار القانون الذهبية، حتى لتطغى اللحظة على بقيّة اللحن فلا تني تسترجعها مرة أخرى في دماغك التي ستنفجر من شدّة حساسية موسيقى وهاب الخالدة، و تنسى بقية اللحن... عندما عزفها الأستاذ محمد عبده صالح للمرة الأخيرة، اكتملت ثلثين دقيقة حتى دخلت الفرقة الموسيقية كلها من بعده، لنُفاجأ جميعاً بسيدة فاتنة في منتصف أربعينياتها قد ارتمت أرضاً مغشيّاً عليها من فرط دلال النغمات - و قد ارتدت كنزة سهرة سوداء قيّمة، و تنّورة سوداء قصيرة لامعة.
لا أعرف أين كنت أنا طوال هذه الأغنية، فكل جملة أسرتني معها لعالم سحريِّ جليل، و مكان خلاَّب بعيد، و لم أفق حقاً، و أستردّ وعيي نصف كاملاً إلا على "الماضي و جراحه... اللي شفته... قبل متشوفك عنيّة... عمري ضايع... يحسبوه إزاي عليّ... إنت عمري." لم أكد أرى أيّة شئ، فقد شوَّشت الطرب، و الصطل، و الجمال مرائي عينيَّ... و لا أتذكر حتى اليوم رغم فوات كل هذه العقود كيف رجعت منزلنا الكائن بشارع 7 بالمعادي.

إمضاء: عماد ميشيل عدلي*.

* كان هذا الفصل الأول من مذكرات سير عماد ميشيل عدلي، المصري الأصل، البريطاني الجنسية، و الذي كان حتى مصرعه الأليمة من ساعة باكرة من صباح يوم أمس رئيساً لقسم أمراض النساء و التوليد بكلية طب سانت جورج، جامعة لندن، و أحد الأعضاء البارزين بكلية أمراض النساء و التوليد الملكية بلندن، و هو أيضاً حائز على جائزة نوبل في الطب لعام 2007؛ لمجهوداته الفائفة في محاولات ربط بعض حالات سرطان الثدي بالإجهاض المتكرر.
أغلب الظنّ أنه لقي حتفه على يد مجهول ألقى به من شرفة بيته في الدور السابع من العقار ن1 الكائن بشارع بوول، بحيّ هاكني الراقي، شمال شرقيّ لندن، و هو شارع حيويّ و شهير استخدم فيه ألفريد هيتشكوك استديوهات جينسبوروه لتصوير أفلامه الأولى. و قد بدأت الإستخبارات البريطانية فور وقوع الحادث الأليمة في مباشرة التحقيقات، و لم يتمّ الإعلان عن أي تصريح رسمي حتى الآن.
قُتل سير ميشيل أو انتحر عن عمر يناهز الثالثة و السبعون عاماً، لتظلّ مصرعه لغزاً ضبابياً جديداً لا تقتل إلا المصريين المقيمين في لندن بالذات، بنفس ذات الطريقة و الكيفية، حيث يتكرر المشهد و يأخذ أحدهم معه فصول أخرى كثيرة من مذكراته، و يهجر هذه الدنيا بلا عود، و لا يخلّف وراءه إلا أسباب الحيرة، بعد الليثي ناصف عام 1973، و سعاد حسني عام 2001،
أشرف مروان عام 2007، يلحق بهم عماد عدلي عام 2008.
الجدير بالذكر أنه تزوج مرة واحدة فقط من نور الهدى الممثلة و المطربة اللبنانية التي تكبره بإحدى عشرة عاماً، في بداية مشوارها الفني في القاهرة في زيجة لم تستمر إلا شهرين، هاجر في إثرهما إلى لندن، و لم يتزوج منذئذ، و لم يزر مصر منذ الرحيل عنها إلا محمولاً داخل نعشه.
وصلت جسمانه الطاهرة، و دفنت في مقابر العائلة بالمنصورة في ساعة متأخرة من ليل أمس، و لكن لم يصل الفصل الأول و الأخير من مذكراته.

** الصورة من هنا، و هي لا تبدو أنها تخضع لأي حقوق ملكية فكرية.                                                                                                                                   
                                                                                             أحمد زيدان
View more entries
 
:مع مدونتنا... تذكر أن

Ahmed Zidan

View spaceSend a message
Occupation:
Age:
Location:
Interests:
I'm not anyone that you think I'm. I stand my own ground, choose between my nonsense options, decide my reckless opinions, follow my stained steps, build my bad experiences, learn my useless lessons, mix my two-hundred-kilometer-far interests and enjoy my very weird contrasts.
Be forwarned, that this blog is; highly addictive, libertarian, secular, objectivist, pro-globalist, and feminist.
So, if my mirror reflects your head, densify and spread! However, if not, please, trace back your incidence roots!